إسرائيل ونموذج الدولة الصغيرة

22 May 2026
solymahamad23@gmail.com
محمد سليمان
تابع الكاتب عبر :

يقف العالم مترقبا، وإسرائيل كذلك، لكنها تترقب بطريقة مختلفة. فمع تصاعد المخاوف من انهيار وقف إطلاق النار مع إيران، لم يكتفِ المسؤولون الإسرائيليون بالتصريح بالاستعداد للردّ على أي هجوم محتمل، بل أعلنوا صراحةً أن العملية الأمريكية لفتح مضيق هرمز جرت بتنسيق كامل معهم، في محاولة لإيصال رسالة مفادها أنه لا يوجد تحرك أمريكي في المنطقة يقع خارج المعادلة الإسرائيلية. 

كيف استطاعت دولة بهذا الحجم إحداث كل هذا التأثير؟ هذا هو السؤال الذي تدور حوله الأسطر التالية. والإجابة عنه لا تأتي من باب الإعجاب ولا الاستنكار، بل من خلال الفهم، وهو شرط لازم وضروري لأي موقف نقدي جاد، فالتصعيد الأمريكي-الإسرائيلي الحالي ضد إيران، ليس مغامرة ارتجالية، بل حلقة ضمن مسار استراتيجي ممتد يستحق القراءة بمعزل عن أي قناعة مسبقة.

في كتابه بعنوان "نادي الدول الصغيرة"، يطرح المفكر الأرميني أرمين سركيسيان أطروحة مفادها أن الدول الصغيرة الناجحة لم تراهن على حجمها، بل على ذكائها في توظيف مواردها البشرية والمعرفية. ولعل هذا الطرح يجعلنا نستحضر إسرائيل كحالة للدراسة، وليس نموذجا مثاليا، فمن حيث المعطيات الموضوعية، تحتل إسرائيل مرتبة متقدمة في معدلات تسجيل براءات الاختراع نسبة إلى عدد السكان، وتضم نحو 60 شركة من أكبر 500 شركة تقنية في العالم. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام لا تُقرأ معزولةً عن سياقها الكامل، فهي نتاج استثمار ممتد عبر عقود في التعليم والبحث، إلى جانب دعم أمريكي استثنائي لا تحظى به أي دولة أخرى في العالم.

لا يقل أهمية عن التفوق التقني ما تمتلكه إسرائيل من قدرة على توظيف السردية التاريخية باعتبارها أداة للتعبئة الداخلية وبناء الشرعية الخارجية في الوقت ذاته، فالرواية الصهيونية التأسيسية الممثلة في استحضار وقائع الاضطهاد والنجاة والعودة، لم تبقَ حبيسة الكتب المدرسية، فقد تحوّلت إلى عقيدة حاكمة تُعيد إنتاج نفسها مع كل أزمة.

حين يواجه نتنياهو خصومه الداخليين أو المحكمة الجنائية الدولية، يستدعي الهولوكوست، وحين يُبرّر عملية عسكرية في غزة أو ضد إيران، يستدعي الهولوكوست أيضا. إذا، فالأداة هنا واحدة، بينما المشهد يتغير، وقد يرجع ذلك جزئيًا إلى توظيف التباين المجتمعي بين يهود أشكناز وسفارديم وعرب لاكتساب عنصر مرونة، رغم ما يحجبه من توترات عميقة جُمِّدت تحت وطأة الخطاب الأمني، ولم تُحل حتى الآن.

على الصعيد الإقليمي الراهن، تؤدي هذه السردية وظيفة مزدوجة، فداخليًا، يتم من خلالها حشد المجتمع في مواجهة "التهديد الإيراني"، بينما خارجيًا تُقدم كل عملية عسكرية في سياق دفاعي يستدعي التضامن الغربي. ولذلك فإن فهم هذه الآلية (وليس التسليم بها) شرط ضروري للإحاطة بأبعاد التحركات الإسرائيلية.

ثمة مفهوم راسخ في الذهنية الإسرائيلية، حيث لا يمكن فهم سلوك إسرائيل بمعزل عنه، ألا وهو "البيتاحون"، فالكلمة تعني في العبرية "الأمن"، لكن دلالتها تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، لتشير إلى "انعدام التهديد المحتمل". وهو ما يُفسّر، دون أن يُبرّر بالضرورة، ظاهرة تضخيم التهديد التي يرصدها المحللون الغربيون أنفسهم في صنع القرار الإسرائيلي.

من خلال هذه العقيدة وُلد مذهب بيغن "لا لأسلحة نووية في يد أعداء إسرائيل"، مهما كلف الثمن. وبالعودة إلى القرن الماضي، سنجد أن هذا المذهب ترجم إلى تحرك عسكري فعلي عام 1981 أثناء استهداف المفاعل العراقي، كذلك في القرن الحالي، وتحديدًا عام 2007 عندما هاجمت إسرائيل منشأة سورية. واليوم يجرى تطبيقه ضد إيران، ولكن بأساليب أحدث وأوسع نطاقا، إلا أن إيران ليست كالعراق وسوريا، وأي تصعيد يتجاوز العتبات المحسوبة قد ينزلق إلى ما لا تتحمله إسرائيل ذاتها، بالنظر إلى ما تملكه إيران من شبكة حلفاء إقليميين تمتد من اليمن إلى لبنان وحتى العراق، وهو ما يجعل المشهد مفتوحًا على سيناريوهات تتجاوز الحسابات الإسرائيلية - وربما الأمريكية أيضًا.

إن لكل نموذج سقف، والنموذج الإسرائيلي يقترب من سقفه من جهات متعددة. فعلى الصعيد الداخلي، تتفاقم الهوّة بين التيارات الدينية المتشددة والمدنية العلمانية؛ وقد كشفت أزمة الإصلاحات القضائية عام 2023، حين خرج مئات الآلاف إلى الشوارع، أن منظومة التوافق الاجتماعي التي طالما قُدِّمت ركيزةً للصمود تتصدع من الداخل.

وإقليميًا، يُغفل الرهانُ على تفكيك منظومة الردع الإيرانية بضربات حاسمة حقيقةً ثابتة، وهي أن إيران تمتلك من القدرة على التكيّف واستيعاب الضربات على النحو الذي يجعل من أي تصعيد يتجاوز العتبات المحسوبة مصدر خطر نحو الانخراط في حرب إقليمية شاملة تفوق تكاليفها طاقةَ استيعاب إسرائيل.

أما على الصعيد الدولي، فتتآكل الشرعية التي طالما بنتها إسرائيل تاريخيًا على سردية الضحية؛ إذ أسهمت أحداث غزة والضفة في إعادة تشكيل الرأي العام الغربي، بما أفضى إلى تضييق هامش الحركة لديها على المدى المتوسط.

ما تحسبه إسرائيل اليوم ميزة، قد يصبح غدًا عبئًا عليها. فالقوة التي تقوم على الاستئثار بالنفوذ على حساب الاستقرار الجماعي لا يمكنها أبدًا أن تُشكّل نموذجًا قابلًا للاستدامة. وصحيح أن الدول الصغيرة الناجحة تميل تاريخيًا إلى تجنّب الحروب، لأن تكاليفها عليها أعلى، إلا أن إسرائيل تشكل استثناءً لافتًا؛ فهي تواصل تغذية دورات التصعيد في المنطقة، متحولة من دولة تخشى على بقائها إلى قوة إقليمية هجومية.