الذكاء الاصطناعي.. العاطفة والإدمان
يبدو أن البحث عن التسلية أو الفضفضة كان من أوائل الأسباب التي دفعت الكثيرين اليوم إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، ليس فقط كأداة تقنية، بل كصديق محتمل أو شريك عاطفي أو حتى بديل عن المعالج النفسي، غير أن ما لم يكن في الحسبان هو أن هذه التطبيقات بدأت تأخذ حيّزًا متقدمًا في حياة الأفراد، لتزاحم العلاقات الإنسانية وتؤثر في أنماط التواصل الاجتماعي.
لطالما اعتُبرت وسائل التواصل الاجتماعي بديلا جزئيا عن المجتمع الفعلي، إلا أنّ الفارق الجوهري كان يتمثل في وجود بشر حقيقيين خلف الشاشات. أما اليوم، فنحن أمام تفاعل مختلف تماما، إذ نتواصل مع خوارزميات معقدة تُصمَّم لتبدو قادرة على الفهم والدعم، وتُوضع في موقع الصديق أو الحبيب لتلبية احتياجات عاطفية قد يعجز البشر أحيانا عن تلبيتها، فضلًا عن كونها مساحة خالية من الأحكام أو النقد.
في هذا السياق، يقدم الذكاء الاصطناعي دعما إيجابيا مستمرا، من خلال التشجيع ورفع المعنويات، بل وحتى عبر دعم نفسي يوحي للمستخدم بأنه محور الاهتمام ومحل تقدير دائم، ومع الوقت قد تتحول هذه التجربة إلى بديل عاطفي غير واقعي، يعزز شعورا بالقبول المثالي الذي لا توفره العلاقات البشرية بطبيعتها المعقدة.
إلا أن هذه الصورة المثالية ليست بلا ثمن، فبينما لا تلبّي العلاقات الإنسانية دائما توقعات الأفراد أو احتياجاتهم العاطفية، يأتي الذكاء الاصطناعي ليملأ هذا الفراغ بطريقة سهلة وسريعة، ما قد يعمّق الإحساس بالراحة المؤقتة، لكنه في المقابل يحدّ من القدرة على التفاعل مع الواقع بكل ما يحمله من اختلافات وتحديات.
قد يبدو الطرح للبعض أقرب إلى الخيال العلمي، إلا أن الظاهرة في الواقع في حالة تصاعد مستمر، ما يثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل التواصل الإنساني. ويبدو أن الفئة الأكثر تأثرا هي جيل الشباب، خصوصا جيل "زد"، حيث تتيح هذه الأدوات نوعا من العلاقات التي يمكن التحكم بها بالكامل، مع توفر الدعم العاطفي المستمر دون انقطاع.
ومن منظور علم النفس، يمكن ربط هذا التحول بنظرية التعلق التي قدّمها جون بولبي، والتي تشرح طبيعة الروابط العاطفية بين البشر، خصوصا في العلاقات طويلة الأمد بين الشريكين أو داخل الأسرة، وتوضح النظرية كيف تتشكل أنماط مختلفة من التعلق، بين آمن وغير آمن، وفقًا لمدى توافر الشعور بالأمان والثقة في العلاقات، وهنا قد يجد البعض في التفاعل مع الذكاء الاصطناعي بديلا يُشبع حاجتهم إلى هذا الشعور بالأمان.
في المقابل، تتزايد التحذيرات عالميا من تفاقم ظاهرة العزلة الاجتماعية، وقد نبهت منظمة الصحة العالمية منذ 2023 إلى خطورة الوحدة كعامل مؤثر على الصحة النفسية والاجتماعية للأفراد، لما لها من انعكاسات عميقة على المجتمع.
وبذلك، يمكن القول إننا أمام ما يشبه "المخدرات الرقمية" تمنح شعورا بالقبول غير المشروط، لكنها في الوقت نفسه قد تُضعف مهارات التواصل الواقعي، التي تتشكل عادة من خلال التحديات، واختلاف الآراء، وخيبات الأمل الطبيعية في العلاقات الإنسانية.
حتى لا نبالغ، يمكن القول إن التعلق بالذكاء الاصطناعي قد يأخذ في بعض الحالات طابعا قريبا من الإدمان السلوكي، ما يستدعي وعيا أكبر بكيفية استخدام هذه التقنيات، وربما تدخلا علاجيا في الحالات التي تظهر فيها مؤشرات الاعتماد المفرط.
في النهاية، ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد يساهم مؤقتا في التخفيف من الشعور بالوحدة، إلا أنه لا يمكن أن يشكّل بديلًا حقيقيًا للعلاقات الإنسانية. فالاستخدام المفرط له كبديل عن الشريك أو الصديق ينذر بتآكل تدريجي في النسيج الاجتماعي. لذلك، تبقى أنسنة العلاقات، وتعزيز الحوار الإنساني الحقيقي، من أهم الوسائل لحماية الروابط الاجتماعية من التآكل في عصر التكنولوجيا.