الريال الجغرافي وتفكك القيمة الوطنية
لا تُقاس وحدة الدول بالحدود فقط، بل بوجود معنى اقتصادي مشترك يجعل الناس يثقون أن المال يُقرأ بالطريقة نفسها أينما كانوا. فالعملة ليست مجرد ورق نقدي، بل اتفاق غير معلن على معنى السعر، والراتب، والادخار، والثروة، والزمن الاقتصادي نفسه.
في اليمن، لم يعد هذا الاتفاق قائمًا كما كان، فالحرب لم تقسّم الجغرافيا السياسية فقط، بل أعادت تقسيم المعنى الاقتصادي داخل المجتمع. لم يعد الريال اليمني يعني الشيء نفسه في كل مكان، ولم يعد الراتب نفسه يمنح القوة الشرائية ذاتها، ولم تعد السوق تتحرك وفق مرجعية نقدية موحدة.
هنا لا تبدو الأزمة مجرد انهيار في سعر الصرف، بل تحوّل أعمق: تحوّل الجغرافيا نفسها إلى عنصر يدخل في تعريف المال، وفي هذا الواقع، لم يعد اليمني يسأل فقط: كم أملك من الريالات؟ بل: أين سأستخدمها؟
في الاقتصادات المستقرة، لا تعمل العملة كوسيلة للتبادل فقط، بل كأداة توحّد السوق وتربط الناس ضمن معيار واحد للثقة والتسعير. فالسعر يفترض أن يحمل المعنى نفسه داخل الدولة، والراتب يفترض أن يمنح قدرة شرائية يمكن توقعها، والادخار يفترض أن يحتفظ بجزء من وزنه الاقتصادي بمرور الوقت.
غير أن هذه الوظيفة بدأت بالتآكل في اليمن تدريجيًا، فالانقسام النقدي لم يُنتج فقط اختلافًا في سعر الصرف بين المناطق، بل أضعف قدرة الريال نفسه على أداء وظيفته كمرجعية وطنية موحدة. ومع الوقت، لم تعد المشكلة أن العملة فقدت جزءًا من قوتها الشرائية، بل أنها فقدت قدرتها على توحيد معنى هذه القوة أصلًا، وهنا تظهر المفارقة الأخطر: الريال لم يعد يوحّد السوق اليمنية، بل أصبح يكشف انقسامها.
يفترض الاقتصاد التقليدي أن الأسعار تتحدد وفق عناصر معروفة مثل التكلفة والعرض والطلب والسيولة. لكن في اليمن، دخل عنصر إضافي إلى عملية التسعير: الجغرافيا نفسها. فالسلعة لا تُسعَّر فقط بناءً على قيمتها أو كلفة استيرادها، بل أيضًا وفق المنطقة التي ستباع فيها، وطبيعة السيولة المتداولة هناك، وسرعة تآكلها، وشكل التدفقات النقدية داخلها.
حتى الراتب نفسه لم يعد يحمل المعنى الاقتصادي ذاته داخل البلد الواحد. فالمبلغ الذي يمكن أن يوفر حدًا أدنى من الاستقرار في منطقة معينة، قد يتحول إلى دخل هش في منطقة أخرى، رغم أن الرقم الاسمي لم يتغير.
فالرقم المكتوب على الراتب لم يعد يعبر عن قوته الفعلية، لأن القدرة الشرائية أصبحت تتحدد بالمكان الذي يُصرف فيه أكثر مما تتحدد بالمبلغ نفسه. وهنا يعيش الموظف ما يمكن وصفه بـ “الوهم النقدي”، إذ يبدو الراتب ثابتًا على الورق، لكنه يتآكل بمجرد دخوله إلى سوق تختلف فيها قواعد التسعير من منطقة إلى أخرى، وبذلك، لم تعد الجغرافيا تحدد النفوذ السياسي فقط، بل أصبحت تدخل في تعريف القوة الشرائية نفسها.
من أخطر ما أنتجه الانقسام النقدي أنه لم يغيّر حركة المال فقط، بل غيّر الطريقة التي يتعامل بها الناس مع الزمن الاقتصادي. في البيئات التي تتآكل فيها العملة بسرعة، يصبح الاحتفاظ بالنقد مخاطرة، ويتحوّل الإنفاق السريع إلى وسيلة دفاع اقتصادي. أما في البيئات الأكثر انغلاقًا أو استقرارًا نسبيًا، فتختلف العلاقة مع الادخار والسيولة والدوران النقدي.
لم يعد الريال ينتج السلوك الاقتصادي نفسه في كل اليمن، ففي بعض المناطق، يتحرك المال بعقلية “التخلص السريع” خوفًا من فقدان الوزن الشرائي، بينما يتحرك في مناطق أخرى بمنطق مختلف تحكمه الندرة والرقابة وحدود السوق، وهنا لا ينقسم الاقتصاد فقط، بل ينقسم الإيقاع الذي يتحرك به المال نفسه.
في الاقتصادات الطبيعية، ترتبط الثقة بالعملة بقدرة الدولة على حماية قوتها وفرض مرجعيتها. لكن مع تراجع هذه المرجعية في اليمن، بدأت السوق تعيد إنتاج الثقة بطريقتها الخاصة، فالثقة لم تعد تُبنى على وجود بنك مركزي فقط، بل على المنطقة التي يتحرك فيها النقد، طبيعة الشبكات التجارية، مسارات التحويل، والقدرة على تحويل الريال إلى أصول أكثر استقرارا، ومع الوقت، لم تعد الثقة وطنية بالمعنى الاقتصادي، بل أصبحت محلية ومجزأة.
هنا يظهر التحول الأخطر: اليمني لم يعد يتعامل مع الريال كعملة وطنية موحدة، بل كأداة تتغير قوتها ومعناها وحدود الأمان فيها بحسب الجغرافيا التي تتحرك داخلها.
غالبًا ما يُنظر إلى الانقسام النقدي بوصفه أزمة مؤقتة يمكن معالجتها عبر أدوات نقدية أو اتفاقات مصرفية. غير أن ما حدث في اليمن يبدو أعمق من ذلك، فالاقتصاد لم يفقد فقط مرجعيته النقدية الموحدة، بل بدأ يعيد تشكيل نفسه على أساس هذا الانقسام، في حالة يمكن وصفها بـ "التجزئة النقدية" حيث تتعايش داخل الدولة الواحدة أسواق مختلفة للتسعير والثقة والدوران النقدي، بما يقود تدريجيًا إلى شكل من “ثنائية السوق" غير المعلنة.
مع الوقت، لم يعد الانقسام النقدي حالة طارئة داخل الاقتصاد، بل أصبح البنية التي يعيد الاقتصاد تنظيم نفسه من خلالها، وبذلك، لا يبدو "الريال الجغرافي" مجرد وصف لحالة نقدية، بل تعبيرًا عن اقتصاد يعيد تعريف نفسه وفق خرائط نقدية جديدة فرضتها الحرب.
الخطر الحقيقي في اليمن لا يتمثل فقط في تراجع قيمة الريال، بل في تحوّل المال نفسه إلى مفهوم جغرافي، فحين تختلف طريقة قراءة السعر والراتب والثقة من منطقة إلى أخرى، وتفقد العملة قدرتها على توحيد السوق والسلوك الاقتصادي، لا يعود الانقسام النقدي مجرد أزمة مالية، بل يصبح تفككًا تدريجيًا لفكرة الاقتصاد الوطني ذاته.
وفي هذا الواقع، لا يكفي الحديث عن استقرار سعر الصرف أو زيادة الاحتياطي، لأن المشكلة لم تعد في كمية النقد فقط، بل في المعنى الذي يحمله هذا النقد داخل المجتمع، فالدولة لا تفقد سيادتها الاقتصادية فقط حين تعجز عن حماية عملتها، بل حين يصبح المال نفسه ابنًا للجغرافيا، لا ابنًا لسوق وطنية واحدة.