بين الإبداع والذكاء الاصطناعي.. من يكتب الموسيقى؟

23 April 2026
joseph27mrad@gmail.com
جوزيف مراد
تابع الكاتب عبر :

مؤلمٌ أن ندرك أنّ الشجر، الذي يهبنا الظلّ والحياة، يُؤذى ويتوَجَّع مرّتين. مرّة حين تمتدّ إليه أيادي الجهل فتحرقه أو تقطعه، فتشوّه الطبيعة وتقتل إحدى أبهى عطايا الله. ومرّة أخرى، لا تقلّ قسوة، حين يتحوّل إلى ورق تُسطَّر عليه تفاهات تُنسب زورا إلى من يقدّمون أنفسهم كشعراء وأدباء وموسيقيين.

لقد خفّفت التكنولوجيا الحديثة ومعها وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، من استنزاف الورق والشجر، لكنّها في المقابل فتحت بابا واسعا للتزييف وسهّلت على البعض ادّعاء الإبداع من دون جوهر. وفي خضمّ هذا المشهد، يبرز المجال الموسيقي تحديدا كساحة يعجّ فيها الضجيج أكثر ممّا يعكس صدق الفنّ، حيث تختلط الأصوات الحقيقية بأخرى مُصطنعة، وتضيع المعايير بين الموهبة والادّعاء.

أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم أداة واسعة الانتشار في مختلف المجالات، ومن بينها المجال الموسيقي، حيث بات متاحا لأي شخص تقريبا أن يستخدمه لتوليد ألحان، أو كتابة كلمات أغاني، أو حتى اقتراح توزيعات موسيقية كاملة خلال دقائق قليلة. هذه السهولة في الإنتاج فتحت بابا جديدا من الإمكانات الإبداعية، لكنها في الوقت نفسه طرحت إشكالية جدّية تتعلق بمفهوم الملكية الفنية والفكرية وحدود الادعاء بالموهبة.

المشكلة لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُوظَّف بها أحيانا. فبعض غير المتخصصين في الموسيقى باتوا يعتمدون عليه كليا لإنتاج أعمال فنية، ثم يقدمون أنفسهم على أنهم مؤلفون أو شعراء أو موزعون موسيقيون، وكأن الجهد الإبداعي صادر عنهم بالكامل. هذا السلوك يخلق نوعا من التزييف في الهوية الفنية، ويشوّه قيمة الخبرة والدراسة والتجربة الطويلة التي يقوم عليها العمل الموسيقي الحقيقي.

ولا يتوقف الأمر عند الهواة فقط، بل يمتد أحيانا إلى بعض الممارسين في المجال الموسيقي ممن يفتقرون إلى الكفاءة الكافية، فيعتمدون على الذكاء الاصطناعي كبديل عن التعلّم والتطوير، ثم يظهرون في الإعلام أو المنصات العامة كخبراء يقدمون آراء نقدية أو فنية دون أساس علمي أو مهني واضح. وهذا ما يساهم في إضعاف المعيار الفني العام، ويجعل الجمهور أقل قدرة على التمييز بين الإبداع الحقيقي والإنتاج الآلي.

إن الذكاء الاصطناعي، عندما يُستخدم كأداة مساعدة لتحليل الموسيقى أو فهم البنية اللحنية أو تطوير الأفكار، يمكن أن يكون إضافة إيجابية ومفيدة. لكنه عندما يتحول إلى وسيلة لإنتاج العمل الكامل مع ادعاء الملكية الشخصية، يصبح أداة تشويش على الحقيقة الإبداعية أكثر مما يكون أداة تطوير.

في النهاية، تبقى المسؤولية الأخلاقية على الإنسان نفسه، فالتكنولوجيا لا تمنح الإبداع، بل تكشف معادن من يستخدمها. وبين من يوظّفها ليرتقي بفنه، ومن يتخفّى خلفها لادّعاء ما ليس فيه، يبقى الفرق واضحا مهما حاولت الأدوات أن تُخفيه، فالفن الحقيقي لا يُستعار، ولا يُستنسخ، بل يُعاش ويُولد من صاحبه.

في زمنٍ تُنتَج فيه الأصوات بضغطة زر، يبقى الفن الحقيقي هو ما لا يُصنَع بالآلة، بل يُولد من إنسانٍ يعرف تماما من هو، ومن أين يبدأ صدقه.