المسيّرات من العراق… وجه آخر للنفوذ الإيراني
في تطور مقلق يعكس تعقيدات المشهد الإقليمي، عادت أزمة الطائرات المسيّرة المنطلقة من الأراضي العراقية لتطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة النفوذ الإيراني في المنطقة، ومدى تأثيره على سيادة الدول واستقرارها. هذه الحوادث لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع يتمثل في تمدد النفوذ الإيراني عبر أدوات غير تقليدية، تعتمد على جماعات محلية مرتبطة أيديولوجيًا أو سياسيًا بطهران، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي.
لقد سبق للمملكة العربية السعودية أن نبهت إلى خطورة هذا التوجه، وأبدت موقفًا واضحًا تجاه ما يجري، حيث استدعت السفير العراقي وسلمته مذكرة احتجاج رسمية، في خطوة تعكس القلق المتزايد من استخدام الأراضي العراقية كمنصة لتهديد أمن الدول المجاورة. هذا التحرك الدبلوماسي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى معطيات ميدانية تشير إلى وجود فصائل مسلحة تعمل خارج إطار الدولة، وتتحرك وفق أجندات تتجاوز المصالح الوطنية العراقية.
ولا يقف الأمر عند حدود الطائرات المسيّرة، بل يتعداه إلى ممارسات أخرى تكشف طبيعة هذا النفوذ، مثل الاعتداء على القنصلية الكويتية في البصرة وتمزيق العلم الكويتي، وهو سلوك لا يمكن تفسيره إلا في إطار حالة من الفوضى السياسية والأمنية التي تستغلها قوى خارجية لتعزيز حضورها. هذه التصرفات تمثل اعتداءً سافرًا على الأعراف الدبلوماسية، وتؤكد أن بعض الجماعات لم تعد ترى في الدولة مرجعيتها الأولى، بل تنتمي إلى مشروع أوسع يتجاوز الحدود الوطنية.
من الناحية السياسية، تعكس هذه الأحداث بوضوح حجم التحدي الذي تمثله إيران في المنطقة، ليس فقط من خلال سياساتها الرسمية، بل عبر شبكاتها غير المباشرة التي تعمل كـ”خلايا نائمة” يمكن تفعيلها في أي لحظة. هذا النمط من النفوذ يعتمد على بناء ولاءات عابرة للدولة، ويستند إلى خطاب أيديولوجي يهدف إلى إعادة تشكيل الهوية السياسية لبعض المجتمعات، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إضعاف الدولة الوطنية وتقويض مؤسساتها.
والمفارقة اللافتة في هذا السياق، أن هذه الجماعات التي تعلن ولاءها لإيران، وتتبنى خطابها، لا تحظى في كثير من الأحيان بأي دعم اقتصادي حقيقي ينعكس على حياة المجتمعات التي تنشط فيها. فإيران، رغم حضورها السياسي والأمني، لم تقدم لهذه الدول دعمًا ماليًا يُذكر، بل على العكس، ساهمت سياساتها في استنزاف مواردها وتعميق أزماتها. وهذا ما يطرح تساؤلًا مهمًا: ما الذي يدفع هذه الجماعات إلى الاستمرار في هذا المسار رغم كلفته الباهظة؟
الإجابة تكمن في طبيعة العلاقة القائمة، والتي لا تقوم على المصالح الاقتصادية المباشرة، بل على الارتباط الأيديولوجي والسياسي. هذه العلاقة تجعل بعض الفصائل ترى في نفسها جزءًا من مشروع إقليمي أكبر، حتى وإن كان ذلك على حساب مصالح شعوبها. وهنا تكمن الخطورة، حيث يتم استبدال مفهوم الدولة الوطنية بمفهوم الولاء العابر للحدود، ما يؤدي إلى تفكك البنية الداخلية للدولة.
العراق، في هذا السياق، يمثل نموذجًا واضحًا لهذه الإشكالية. فبعد سنوات من الصراعات والتدخلات الخارجية، وجد نفسه في وضع هش، سمح بتغلغل نفوذ قوى متعددة، في مقدمتها إيران. هذا النفوذ لم يقتصر على الجانب السياسي، بل امتد إلى المجالين الأمني والعسكري، من خلال دعم فصائل مسلحة باتت تملك قدرات تتجاوز أحيانًا قدرات الدولة نفسها.
ولا يمكن تجاهل أن هذا الوضع انعكس بشكل مباشر على استقرار العراق والمنطقة ككل. فبدلًا من أن يكون العراق عنصر توازن واستقرار، أصبح ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ومنصة لإرسال الرسائل السياسية عبر أدوات عسكرية غير تقليدية، مثل الطائرات المسيّرة. وهذا ما يضعه في موقع حساس، بين متطلبات السيادة الوطنية وضغوط النفوذ الخارجي.
في المقابل، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية، وتعزيز مؤسساتها، بحيث تكون قادرة على فرض سيطرتها على كامل أراضيها، ومنع أي جهة من استخدام هذه الأراضي للإضرار بدول أخرى. كما أن التعاون الإقليمي يصبح ضرورة، لمواجهة هذا النوع من التهديدات التي لا تعترف بالحدود، وتستهدف استقرار المنطقة بشكل عام.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد أحداث متفرقة، بل هو انعكاس لصراع أعمق حول هوية المنطقة ومستقبلها. وبينما تستمر بعض الأطراف في توظيف الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية، تبقى الشعوب هي الخاسر الأكبر، حيث تدفع ثمن هذه الصراعات من أمنها واستقرارها ومواردها.
وفي النهاية، فإن التعامل مع هذا الواقع يتطلب رؤية شاملة، لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تشمل أيضًا الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية. فمواجهة النفوذ الخارجي لا تكون فقط عبر الردع، بل أيضًا عبر بناء نموذج وطني قوي، قادر على استيعاب التحديات، وتحقيق تطلعات الشعوب في الاستقرار والتنمية.
إن المنطقة اليوم أمام مفترق طرق، إما الاستمرار في دوامة الصراعات والتدخلات، أو العمل على بناء منظومة إقليمية قائمة على احترام السيادة والتعاون المشترك. وفي ظل ما نشهده من تطورات، يبدو أن الخيار الثاني لم يعد ترفًا، بل ضرورة ملحة لضمان مستقبل أكثر استقرارًا وأمانًا للجميع.