هدنة الضرورة وخيار "حافة الهاوية"
لم تكن الأسابيع الأربعة من التصعيد المتواصل بين واشنطن وحلفائها من جهة، وطهران من جهة أخرى، مجرد جولة استنزاف تقليدية في صراع النفوذ الإقليمي، بل كانت لحظة اختبار وجودي لمنظومة الردع الدولي، ومع حلول الثامن من أبريل (نيسان)، بدا أن الشرق الأوسط قد استنفد كل خيارات المناورة، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام سيناريو "الانفجار الكبير".
ما حدث قبل ساعتين من "ساعة الصفر" لم يكن معجزة بقدر ما كان انتصاراً للبراغماتية السياسية القاسية، فمن كواليس إسلام آباد، وبجهود إقليمية قادتها القاهرة وأنقرة، وُلدت "هدنة الضرورة"، قبول دونالد ترمب بالمبادرة الباكستانية وتبعه استجابة سريعة من عباس عراقجي، يطرح تساؤلاً جوهرياً حول التحولات التي دفعت القوى الكبرى للتراجع في اللحظة الأخيرة.
خلف الخطاب التصعيدي لواشنطن، اصطدمت الإدارة الأمريكية بواقع استراتيجي مأزوم، فالدعم الغربي الذي بدأ حماسيّاً، سرعان ما تحول إلى تحفظات عميقة داخل أروقة الناتو، لا سيما من برلين وباريس. هذا التباين لم يكن سياسياً فحسب، بل أدى إلى تقلص التنسيق الميداني، مما وضع واشنطن أمام عبء عملياتي منفرد بلا غطاء شرعي دولي، خاصة بعد الفيتو الروسي- الصيني المزدوج في مجلس الأمن.
على المقلب الآخر، لم تكن طهران في وضع يسمح لها بمقامرة مفتوحة، فرغم الدعم السياسي من حلفائها في الشرق، إلا أن الضغوط غير المباشرة من الشركاء الإقليميين، وتحديداً تركيا، حول أمن الطاقة واستقرار الممرات، جعلت من خيار المواجهة الشاملة كلفة لا تستطيع الجغرافيا الإيرانية تحملها.
بعيداً عن أزيز الطائرات، كانت الأسواق المالية هي التي تطلق صفارات الإنذار. ومع تهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز، دخل الاقتصاد العالمي منطقة "الهشاشة القصوى". واجهت واشنطن معضلة حقيقية بين الرغبة في الحسم العسكري وبين استنزاف مخزونات الطاقة الاستراتيجية وارتفاع الأسعار داخلياً. تحول "الذهب الأسود" هنا من سلاح جيوسياسي إلى قيد منع واشنطن من الانزلاق الكامل في حرب ممتدة لا تضمن نتائجها.
سياسياً، بدأ الداخل الأمريكي يبدي تململاً واضحاً؛ فمع اقتراب انتهاء مهل التفويض العسكري من الكونغرس وتراجع شعبية ترمب أمام شبح "حروب برية" جديدة، أصبحت كلفة الاستمرار سياسياً أعلى من كلفة التراجع. وفي طهران، كان استهداف البنية التحتية قد بدأ يؤتي ثماره المرة على المزاج الشعبي، مما أنذر بتحول التوتر الخارجي إلى أزمة شرعية داخلية لا يمكن احتواؤها.
ميدانياً، فرضت تكتيكات "الإغراق الصاروخي" واقعاً جديداً، حيث استنزفت قدرات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية بشكل تجاوز الحسابات المادية ليمس بصورة الردع نفسها. احتاج الطرفان إلى "التقاط أنفاس" عسكري؛ واشنطن لإعادة تقييم فجوات الدفاع، وطهران لترميم شبكاتها اللوجستية التي تعرضت لضربات دقيقة.
لم يكن الثامن من أبريل يوماً للسلام، بل كان يوماً لـ"براغماتية الحافة". تراجع الخصوم لأن كلفة الاستمرار تجاوزت حدود الاحتمال لكليهما. لقد كشفت هذه الأزمة أن حروب القرن الحادي والعشرين لا تُحسم بالنصر الساحق، بل بالإدارة الذكية للخسائر. في الثامن من أبريل، اكتشف العالم أن التراجع عن الهاوية هو أحياناً الفعل الأكثر شجاعة وعقلانية.