الدفاع المشروع عن النفس والمسكن
يكرّس قانون العقوبات اللبناني مبدأ الدفاع المشروع بوصفه حقاً طبيعياً يلازم الإنسان في حماية نفسه وماله عند تعرّضه لخطر غير محق. وقد نصّت المادة 184 على هذا المبدأ العام، معتبرةً أنّ الفعل لا يُعدّ جريمة إذا ارتُكب في سياق دفع اعتداء حال غير مشروع، ضمن حدود الضرورة، وهو ما يشكّل الإطار القانوني العام لشرعية استعمال القوة عند تعذّر تدخل السلطات.
غير أنّ المشترع اللبناني ذهب أبعد من ذلك في المادة 563، حيث نصّ على حالات محددة تُعدّ حكماً من قبيل الدفاع المشروع، فجاء فيها أن الأفعال الآتية تصنف دفاعا عن النفس:
الفعل المرتكب لدفع من يقدم باستعمال العنف على السرقة أو النهب.
الفعل المقترف عند دفع شخص دخل أو حاول الدخول ليلاً إلى منزل آهل أو إلى ملحقاته الملاصقة، بتسلق السياجات أو الجدران أو المداخل أو ثقبها أو كسرها أو باستعمال مفاتيح مقلدة أو أدوات خاص، وإذا وقع الفعل نهاراً فلا يستفيد الفاعل إلا من العذر المخفف.
يُستفاد من هذا النص أنّ المشرّع أقام قرينة قانونية على وجود خطر جسيم في حالتي السرقة بالعنف واقتحام المنزل ليلاً، بحيث يُعفى المدافع من إثبات التناسب الدقيق بين الاعتداء ووسيلة الدفاع. فهذه الحالات، بطبيعتها، تنطوي على تهديد محتمل للحياة، لا يقتصر على المال فحسب، ما يبرّر إباحة وسائل دفاع قد تصل إلى حدّ القتل.
وتبرز أهمية هذه القاعدة في صون حرمة المسكن، إذ يفترض القانون أنّ الاقتحام الليلي يضع قاطني المنزل أمام خطر مباغت وغير قابل للتقدير الهادئ، ما يجيز لهم ردّه فوراً وبالوسيلة التي يرونها كفيلة بدفعه. وفي هذا الإطار، تشكّل المادة 563 سبب تبرير كاملاً، يزيل الصفة الجرمية عن الفعل، ولا يقتصر على تخفيف العقوبة.
وانطلاقاً من هذا التحليل، فإنّ أي مقاربة قضائية تمتنع عن توقيف من أقدم على قتل سارق ضمن هذه الظروف، تكون منسجمة مع صحيح القانون. ويُسجَّل في هذا السياق موقف القاضي رجا حاموش، بصفته النائب العام الاستئنافي في بيروت، الذي اتجه إلى عدم توقيف الفاعل في واقعة مماثلة، استناداً إلى توافر شروط الدفاع المشروع وفق المادة 563.
إنّ هذا القرار يُعدّ تطبيقاً سليماً للنص القانوني، إذ إنّ انتفاء الصفة الجرمية عن الفعل يسقط مبررات التوقيف الاحتياطي، ويؤكد أنّ القضاء لا يمكن أن يعامل المدافع معاملة المعتدي. كما يعكس فهماً عميقاً للغاية التي ابتغاها المشترع، وهي حماية الإنسان في أكثر حالاته ضعفاً، أي داخل منزله وأمام خطر داهم.
وخلاصة القول، إنّ المادتين 184 و563 ترسيان توازناً دقيقاً بين حق الدولة في تنظيم استعمال القوة، وحق الفرد في الدفاع عن نفسه عند الضرورة. وإنّ الاجتهاد القضائي الذي يكرّس هذا المفهوم، كما في الحالة المشار إليها، لا يطبّق القانون فحسب، بل يصون جوهر العدالة ويعزّز الثقة به.