مثوى الإنسان ما بين الحناء والكافور
تتناقض الحياة ما بين ليلتي الحناء والوفاة، فالأولى يستعد لها الإنسان لصباح زفافه والثانية يعد فيها المرء لتوديعه ودفنه بعد وفاته. يقضي الإنسان من حياته ما يقارب 84,365 ألف ساعة عمل، ومن الطبيعي أن تؤثر المهن التي نمارسها على صحتنا النفسية ونمط حياتنا، ومن المهن "غسيل الأموات" و"تجهيز العرسان" اللتان يشترك أصحابهما في تجهيز الإنسان ولكن لمناسبتين مختلفين.
هل يعيش من يمارس مهنة غسيل الأموات حياةً سعيدة؟ يغسلونهم ويعطرونهم لأول ليلة في مثواهم الأخير، يعملون ويرون هذه التجهيزات التي تُعد في أقل من نصف ساعة.
يعمل أبو سعيد في "غسل الأموات" منذ 18 عاما، بدأ في سن 15 واليوم يبلغ 39 سنة. كان السبب وراء تعلمه هذه المهنة وفاة أبناء عمومته، فيقول "لماذا عندما يتوفى رجال من أقربائي يغسّلهم شخصٌ غريب، أنا الأولى بذلك".
يصف أبو سعيد البداية: "أول جنازة أغسلها كانت في رمضان 2001، رأيت الميت على حوض الغسيل وكان مغطى "بكيس الموتى"، كنت حينها مساعدا للمغسل وطلب مني أن أفتح الكيس لبدء العمل، لطالما كانت هذه هي اللحظة الأصعب لأني لا أعرف كيف حال المتوفي، هل هو في حالٍ طبيعية أم لا".
يكمل أبو سعيد: "بدأت بغسيل وتجهيز أول جنازة وعندما انتهيت مضيت للثانية حتى أنجزت جميع الجنائز يومها، وعندما ذهبت إلى المنزل كنت مرهقا وحالتي النفسية متعبة جدا، أفكر بالموت في كل لحظة، وأشعر أن ملك الموت سيقبض روحي في أية لحظة، وأصبحت أرى كل الناس موتى يتحركون".
يعتقد أغلب الناس أن "مغسل الموتى" يعلم خاتمة الإنسان من خلال رؤية وجه الميت إذ أن بياض وسواد وجهه يدل على خاتمته إن كانت في الجنة أو النار. وفسر أبو سعيد سبب تغيير لون البشرة بأن الميت عندما يكون في ثلاجة الجثث يتغير لون بشرته.
يمر "مُغسِل الموتى" بصدمة نفسية يعيد فيها جميع حساباته، ويعيش "ردة فعل وقتية" يزهد خلالها بالدنيا ويعتقد أن ليس هنالك شيء يستحق العناء، ثم يبدأ طرح سؤال واحد على نفسه، هل أنا جاهز للموت؟ ربما تأتيه الصدمة من هول ما رأي من حالات مثل "الجنائز المتحللة والمحترقة والتي تعرضت للحوادث".
يروي أبو سعيد قصة وفاة والده، فيقول: "تعاملت مع جثة والدي كسائر الأموات الذين قمت بتغسيلهم دون أن تذرف عيني دمعة، وبعدما انتهيت جاء أقاربي لتعزيتي وحينها أصبحت أجهش بالبكاء كي لا يعتقد الناس أنني لا أحب أبي". وبرأي أبي سعيد "تغسيل الموتى ورؤية أقاربهم يبكون يوميا جعله لا يستشعر هذه اللحظات الحزينة، لكن مهنته لا تميت المشاعر بقدر ما تجعل النفس تدرك مصيرها".
على النقيض من الإعداد للموت يأتي تجهز المرء ليوم الزفاف حيث يتهيأ لبناء عائلة صغيرة، تقام ليلة الحناء التي تسبق يوم الزفاف، وقد سميت بليلة الحناء لاحتفال العائلة بالعروس بنقش يديها وقدميها بالحناء، وتأتي النقاشة وكأنها سيدة هذه الليلة.
والنقاشة هو اللقب الذي يُطلق على من يمارس نقش الحناء، مثل أم يحيى التي تبلغ من العمر 39 عاما وتخرجت من جامعة الخرطوم بتخصص اقتصاد. برغم عملها في مجال دراستها لا تستغني أم يحيى عن نقش الحناء للعرسان والأطفال، وترى في عملها فن وثقافة وحضارة، فلماذا لا توجد معاهد تعلم وتحافظ على النقش بالحناء كسائر الفنون مثل الرسم؟
تصف أم يحيى طقوس ليلة الحناء فتقول "يرتدي فيها الضيوف الملابس الشعبية ويتزينون بالذهب والفضة، وغالبا ما تكون في وقت العصر أو المغرب، أبدأ بتجهيز الحناء أمام أعينهم في أوعية فضية فاخرة من ثلاثة أواني تحتوي الحناء والماء والياسمين".
يأتي الضيوف ليهنئوا العروسة بزواجها، وكل ضيفة تأتي وبيدها هدية مادية أو قطعة من الذهب أو القُماش، فرحة العروسة وابتسامة والدتها هي التي تؤثر في أم يحيى، وتقول: "تدمع عيني فرحا عندما أرى سعادة وفرح الأم بابنتها، وأتذكر ابنتي الصغيرة وأتخيلها عروسة وأدعوا الله أن يمد في عمري لأعيش تلك اللحظة وأٌحني أبنتي فيها".
كانت أم يحيى مرة في إحدى الأسواق الشعبية تنقش الفراشات للأطفال، رأتها امرأة عجوز وطلبت نقشا مثل الطفلة، قالت لها ابنتها: هذه للأطفال ولا تليق بسنك، لكنها أصرت ورسمت لها أم يحي الفراشات على يديها المجعدة، وعندما انتهت نظرت العجوز إلى يديها وهي تُقلبها وقالت "لم تعجباني"، وقعت أم يحيى ضاحكة، وقالت لها: عجباً، ما أعّندَكِ.