بريطانيا .. حين تتكلم الذاكرة

29 March 2026
Helmi_1969@hotmail.com
حلمي الحراحشة
تابع الكاتب عبر :

في خضم التصعيد الدولي المتسارع، يبدو موقف المملكة المتحدة الرافض للانخراط المباشر في الحرب أقرب إلى قراءة تاريخية عميقة منه إلى تردد سياسي. فالدول لا تصنع قراراتها بمعزل عن تجاربها، بل تبني مواقفها على دروس دفعت ثمنها من دمها واقتصادها واستقرارها.

تجربة حرب العراق 2003 لا تزال ماثلة في الذاكرة البريطانية؛ فقد دخلت لندن الحرب ضمن تحالف دولي، لكنها خرجت منها بانقسام داخلي حاد وفقدان ثقة شريحة واسعة من الشارع. وقبلها، أثبتت الحرب العالمية الثانية أن أي صراع قابل للتحول إلى مواجهة شاملة إذا غابت الحسابات الدقيقة.

ثم جاءت تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية لتضيف درساً جديداً؛ حيث أظهرت كيف يمكن لحرب إقليمية أن تهز الاقتصاد الأوروبي بأكمله، من ارتفاع أسعار الطاقة إلى التضخم وتراجع القدرة الشرائية. هذه التجربة القريبة جعلت صانع القرار البريطاني أكثر حذراً من الانخراط في نزاعات مفتوحة لا يمكن التنبؤ بمداها.

وفي السياق الراهن، لا يمكن تجاهل ما يجري في قطاع غزة، حيث خلّفت الحرب آثاراً إنسانية عميقة وصوراً مؤلمة هزّت الضمير العالمي. في لندن، خرجت مظاهرات واسعة تعكس رفضاً شعبياً لاستمرار الحرب، وتطالب بمواقف أكثر توازناً وإنسانية. هذا الضغط الشعبي لم يعد هامشياً، بل أصبح عاملاً مؤثراً في رسم السياسات.

تجد بريطانيا نفسها اليوم أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة قد تتوسع خارج السيطرة. وفي هذا الإطار، تبرز تحركات الملك تشارلز الثالث كرسائل دبلوماسية هادئة تؤكد الشراكة، لكنها لا تعني بالضرورة الانخراط العسكري.

إن الموقف البريطاني اليوم ليس حياداً سلبياً، بل محاولة واعية لتجنب تكرار أخطاء الماضي. فالحروب لم تعد معارك تُحسم سريعاً، بل أزمات ممتدة تُرهق الدول وتُقسم المجتمعات.

الخلاصة أن بريطانيا تتصرف بعقل الدولة التي تعلّمت من تاريخها القريب والبعيد، وتدرك أن الدخول في الحرب قرار قد يُتخذ في لحظة، لكن الخروج منها قد يستغرق سنوات طويلة. وبين ضغط الحلفاء وصوت الشارع، تختار لندن أن توازن، وأن تؤجل الانخراط، وأن تضع مصلحة استقرارها فوق اندفاع اللحظة.