عدن وإعادة هندسة النفوذ

27 March 2026
nalazy4@gmail.com
نايف حمود العزي
تابع الكاتب عبر :

ما تشهده عدن ليس حدثًا أمنيًا عابرًا يمكن اختزاله في توصيفات سريعة من قبيل “شغب” أو “توتر سياسي”. المدينة التي تُوصف بالعاصمة المؤقتة تمثل في الواقع عقدة الشرعية السياسية، ومركز النفوذ الأمني، وممر الإيرادات غير النفطية، وبوابة العلاقة مع الخارج.

في مثل هذه المدن لا تكون الاضطرابات دائما انفجار غضب شعبي فحسب، بل غالبا ما تعكس إعادة ترتيب داخل بنية السلطة نفسها.

المشكلة في عدن لم تعد مجرد تباين في المواقف السياسية تحت مظلة ائتلافية واحدة، بل تحولت إلى ازدواجية مؤسسية واضحة المعالم. ففي مدينة يفترض أنها تمثل العاصمة المؤقتة للدولة، تتجاور بنيتان للقرار، ويتداخل مساران للنفوذ، وتتقاطع منظومتان للأمن والإدارة والجباية.

هذا الواقع لا يمكن وصفه بتعدد سياسي صحي، بل هو تعبير عن خلل بنيوي في بنية السلطة. فحين تتوزع أدوات الإكراه، وتتعدد مراكز القرار، وتغيب المرجعية المؤسسية الموحدة، تتحول الدولة من إطار جامع إلى ساحة تفاوض دائم بين مراكز قوة متوازية.

النتيجة ليست فقط توترًا سياسيًا، بل هشاشة مؤسسية تجعل أي أزمة خدمية أو مالية قابلة للتحول إلى صراع مفتوح.

في السياقات المستقرة، يُفهم تدهور الكهرباء أو تأخر الرواتب باعتباره فشلًا إداريًا أو ماليًا. أما في بيئة تعيش ازدواجية سلطة، فإن الخدمات لا تبقى خارج السياسة، بل تصبح جزءًا من معادلة الصراع.

عندما تتنافس مراكز القوة على الإيرادات والقرار، تتحول الموارد العامة إلى أداة تثبيت نفوذ. وفي هذه الحالة، لا يُعاد توجيه الغضب الشعبي نحو إصلاح البنية المؤسسية، بل يُعاد إدخاله في لعبة إعادة توزيع الشرعية.

بهذا المعنى، لا يكون المواطن مجرد متضرر من الأزمة، بل يصبح – موضوعيًا – عنصر ضغط داخل صراع إعادة هندسة السلطة. وكلما طال أمد الازدواجية، ازداد احتمال استخدام الاختناق الخدمي كورقة تفاوض غير معلنة بين الفاعلين.

الحديث عن “انقلاب” يفترض وجود سلطة مركزية متماسكة يجري إسقاطها. لكن في الحالة اليمنية، تبدو “الشرعية” نفسها ائتلافًا هشًا متعدد المراكز.

ما يحدث في عدن يمكن فهمه باعتباره إعادة تفاوض قسرية داخل المعسكر ذاته، أكثر من كونه انقلابًا تقليديًا مكتمل الأركان. إنه صراع على من يحتكر أدوات الدولة داخل مدينة تمثل الدولة.

من منظور اقتصاد الحرب، كلما غابت البنية المؤسسية الموحدة لإدارة الإيرادات والأمن، ظهرت مراكز قوة تتصرف باعتبارها ضامنًا ذاتيًا لمصالحها. وهنا يصبح التصعيد أداة سياسية لإعادة تثبيت المواقع داخل معادلة السلطة.

الخطورة لا تكمن في الاحتجاجات ذاتها، بل في احتمال ترسيخ نموذج “السلطة الموازية” داخل المدينة، بما يعمق هشاشة مؤسسات الدولة ويؤجل أي انتقال مستقر نحو إعادة البناء.

عدن اليوم لا تختبر فقط قدرة السلطات على توفير الكهرباء أو دفع الرواتب، بل تختبر قدرتها على حسم مسألة من يحتكر أدوات الدولة داخل مدينة واحدة.

فمن دون توحيد القرار الأمني والإيرادي، ستبقى المدينة عرضة لدورات متكررة من التوتر، وسيبقى أي تحسن خدمي مؤقتًا وهشًا. المشكلة ليست في احتجاجات عابرة، بل في نموذج حكم لم يُحسم بعد.

ولهذا، فإن ما يجري في عدن ليس مجرد أزمة إدارة، بل أزمة بنية: أزمة دولة لم تكتمل مؤسساتها، ولم تُحسم مرجعيتها، وتعيش في منطقة رمادية بين الشرعية والتوازي.