العراق والجبهة الصامتة
في فترات تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، يجد العراق نفسه مرارا في موقع يتقاطع فيه التنافس الإقليمي مع المصالح الاستراتيجية العالمية. فالجغرافيا العراقية، ومواردها الكبيرة من الطاقة، وتعقيد المشهد السياسي فيها، تجعل البلاد في قلب معادلة جيوسياسية تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدودها. ومع تصاعد التوتر بين القوى الإقليمية والدولية، يواجه العراق خطر أن يصبح مرة أخرى الجبهة الصامتة لصراع أوسع، صراع لا يعلن كثير من الأطراف رغبتهم فيه علنا، لكن العديد منهم يستعد له في الواقع.
تشير الحوادث الأخيرة التي استهدفت مصالح أجنبية وبنى تحتية لوجستية داخل العراق إلى حقيقة مستمرة مفادها أن البلاد ما زالت تستخدم كمنصة تتبادل عبرها القوى المتنافسة الرسائل الاستراتيجية. فالهجمات بالطائرات المسيرة والمواجهات غير المباشرة قد تبدو محدودة من حيث الحجم، لكنها تحمل دلالات تتجاوز بكثير الأضرار المادية المباشرة. فكل حادثة لا تمثل مجرد عمل أمني تكتيكي، بل تشكل جزءا من حوار جيوسياسي أوسع يجري في المنطقة. وهذه الأفعال تبعث رسائل تتعلق بالردع والنفوذ وحدود القوة، وهي رسائل موجهة بقدر ما هي إلى الأطراف المحلية بقدر ما هي إلى الجمهور الدولي.
بالنسبة للعراق، فإن هذه الديناميكية تخلق حالة من الهشاشة البنيوية؛ فعندما تختار القوى المتنافسة الأراضي العراقية كساحة لإرسال الإشارات الاستراتيجية، فإن ذلك يزيد من خطر جر العراق إلى مواجهات نشأت في الأصل خارج حدوده.
تأتي هذه التحديات الأمنية في وقت حساس بالنسبة لمسار الاقتصاد العراقي. فبعد عقود من الصراعات وهشاشة المؤسسات والاضطرابات الاقتصادية، يحاول العراق إعادة بناء اقتصاده وتعزيز مؤسساته وجذب الاستثمارات الدولية. لكن الانطباع بأن العراق ما زال عرضة لتوترات الصراع بالوكالة في المنطقة يهدد بتقويض هذه الجهود. فالمستثمرون الدوليون والشركات متعددة الجنسيات يراقبون الأوضاع الأمنية بدقة عند اتخاذ قراراتهم طويلة الأمد، وقد تعزز الحوادث المتكررة، وإن كانت محدودة، السردية القائلة بأن العراق ما زال بيئة عالية المخاطر للاستثمار.
وبالنسبة لملايين العراقيين، فإن الاستقرار الاقتصادي مرتبط مباشرة بهذه التصورات. إذ يمكن أن يؤدي تأخر الاستثمارات أو تعطل مشاريع البنية التحتية أو تراجع التعاون الاقتصادي إلى إبطاء عملية التعافي وتقليل فرص العمل والتنمية طويلة الأمد.
لا تقتصر آثار هذه التوترات على العراق وحده. فباعتباره أحد كبار منتجي النفط في العالم، يلعب العراق دورا مهما في الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية. وأي تصعيد قد يهدد منشآت الإنتاج أو طرق النقل أو البنية التحتية للطاقة يمكن أن ينعكس بسرعة على الأسواق الدولية. وفي وقت أصبحت فيه أسواق الطاقة حساسة أصلا للصدمات الجيوسياسية، فإن أي اضطراب في الإنتاج العراقي قد يؤدي إلى تقلبات في الأسعار وعدم استقرار في سلاسل الإمداد. ومن هذا المنظور، فإن استقرار العراق لا يعد مسألة وطنية فحسب، بل عاملا مهما في استقرار الطاقة العالمي.
على الصعيد السياسي، تواجه القيادة العراقية معادلة توازن دقيقة. فالعراق يحتفظ بعلاقات مع عدة شركاء إقليميين ودوليين، من بينهم الولايات المتحدة ودول الخليج المجاورة وإيران. وإدارة هذه العلاقات تتطلب دبلوماسية حذرة، لأن أي انطباع بالاصطفاف مع طرف ضد آخر قد يدفع العراق إلى صراع يسعى أساسا إلى تجنبه.
ويكمن التحدي أمام بغداد في الحفاظ على السيادة الوطنية مع الاستمرار في الانخراط البناء مع مختلف الشركاء. وقد يمثل الحياد الاستراتيجي المقترن بالدبلوماسية البراغماتية المسار الأكثر واقعية للتعامل مع بيئة إقليمية تزداد استقطابا.
تزداد هذه التحديات تعقيدا بسبب التحولات الأوسع التي تشهدها المنطقة. فالشرق الأوسط يمر حاليا بمرحلة انتقالية استراتيجية تتغير فيها التحالفات التقليدية وتبرز فيها ديناميكيات قوة جديدة. كما يزداد التنافس على النفوذ والترتيبات الأمنية والممرات الاقتصادية في أنحاء المنطقة. وبسبب موقعه الجغرافي المركزي بين الخليج وإيران وتركيا وبلاد الشام، يجد العراق نفسه متأثرا بشكل مباشر بهذه التحولات.
وحتى عندما تقع المواجهات المباشرة في أماكن أخرى، فإن تداعياتها السياسية والأمنية غالبا ما تمتد إلى الأراضي العراقية.
رغم هذه المخاطر، فإن موقع العراق الاستراتيجي يتيح أيضا فرصة مهمة. فإذا أديرت هذه المكانة بحكمة، يمكن للعراق أن يلعب دورا دبلوماسيا بناء في خفض التوترات الإقليمية بدلا من تضخيمها.
لقد شكل العراق تاريخيا نقطة التقاء بين العديد من الفاعلين الإقليميين، وفي السنوات الأخيرة أبدت القيادة العراقية اهتماما بدعم مبادرات الحوار وخفض التصعيد بين القوى المتنافسة. وإذا استمرت هذه الجهود بدعم دولي، فقد يتحول موقع العراق الجيوسياسي تدريجيا من ساحة صراع للمصالح المتنافسة إلى منصة للحوار والدبلوماسية الإقليمية.
بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن الدرس واضح: استقرار العراق ليس مجرد مسألة داخلية عراقية، بل قضية ذات أهمية إقليمية وعالمية أوسع. فدعم سيادة العراق، وتعزيز قدرته الاقتصادية، ومنع استخدام أراضيه كساحة لصراعات الوكالة، ينبغي أن يكون من أولويات جميع الأطراف الدولية المسؤولة. لأن الفشل في ذلك قد يؤدي إلى تحول التوترات المحلية إلى أزمة إقليمية أوسع ذات تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط.
من المرجح أن تحدد السنوات القادمة ما إذا كان العراق سيبقى الجبهة الصامتة لصراع إقليمي متسع، أم سيتحول إلى جسر استقرار بين القوى المتنافسة. وسيتوقف هذا المسار ليس فقط على الخيارات السياسية الداخلية للعراق، بل أيضا على استعداد القوى الإقليمية والدولية لتفضيل الاستقرار على المواجهة، والدبلوماسية على التصعيد. وإذا تحقق ذلك، فقد يتحول الموقع الاستراتيجي للعراق، الذي اعتبر طويلا مصدر ضعف، إلى أحد أهم أصوله الدبلوماسية.