كاريش.. الفرصة الضائعة للبنان

04 March 2026
كاريش حقل غاز طبيعي يقع في شرق البحر المتوسط (وسائل التواصل)
كاريش حقل غاز طبيعي يقع في شرق البحر المتوسط (وسائل التواصل)
riadhilal84@gmail.com
د. رياض هلال
تابع الكاتب عبر :

لم يكن حقل "كاريش" مجرد تفصيل تقني في نزاع بحري، ولا حادثة عابرة في سجل الصراع مع إسرائيل، بل كان لحظة كاشفة بكل ما للكلمة من معنى. لحظة اصطدمت فيها الشعارات بالوقائع، وتعرّى فيها خطاب القوة أمام أول اختبار اقتصادي سيادي حقيقي. 

في بلد منهار ماليا، مفلس مصرفيا، ومشلول سياسيا، ظهر "كاريش" كفرصة نادرة للخروج من القعر، لا عبر المعجزات بل عبر مورد طبيعي مؤكد كان يمكن أن يشكّل مدخلًا لإعادة بناء الثقة، واستعادة الحد الأدنى من الدولة.

منذ البداية، لم يكن النقاش حول "كاريش" تقنيًا بحتًا. كان سياسيًا بامتياز. هل يملك لبنان قرار الدفاع عن ثروته؟ وهل السلاح الموجود خارج الدولة وُجد فعلًا لحماية السيادة عندما تصبح هذه السيادة قابلة للترجمة الاقتصادية؟ أم أن وظيفته محكومة باعتبارات إقليمية، لا تتطابق بالضرورة مع مصلحة اللبنانيين ولا مع أولويات دولتهم المنهارة؟

اللافت أن الاتفاق الذي أُبرم حول الترسيم البحري مرّ من دون اعتراض فعلي من أي جهة نافذة. لا الدولة اعترضت، ولا القوى السياسية، ولا حتى حزب الله الذي رفع سقف التهديد قبل الاتفاق ثم انكفأ عنه بالكامل بعد توقيعه. 

الأكثر دلالة هو أن الحقل الذي قيل إنه خط أحمر لم تُطلق نحوه رصاصة واحدة، لا قبل الاتفاق ولا بعده، حتى في ذروة المواجهة العسكرية اللاحقة بين حزب الله وإسرائيل. هنا تحديدًا يصبح الصمت أعلى صوتًا من أي خطاب، ويغدو السؤال مشروعًا: لماذا لم تكن "كاريش" معركة، فيما كانت "حرب الإسناد" معركة مدمّرة بلا مردود للبنان؟

المفارقة أن النقاش حول لبنانية "كاريش" لم يكن بلا أساس، المؤرخ الدكتور عصام خليفة قدّم وثائق وخرائط تاريخية وقانونية تشير بوضوح إلى حقوق لبنانية في المنطقة المتنازع عليها، مستندًا إلى اتفاقيات الانتداب، وإلى مقاربات قانون البحار، وإلى كيفية احتساب الخطوط البحرية وفق المعايير الدولية. 

هذه ليست آراء سياسية ولا خطابات تعبئة، بل مادة أرشيفية وقانونية كان يمكن البناء عليها لتعزيز الموقف اللبناني تفاوضيًا، أو على الأقل لرفع كلفة التنازل. لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. الدولة لم تقاتل سياسيًا، والسلاح لم يُستخدم سياديًا، والنتيجة كانت تفويت مورد اقتصادي كان قادرًا، ولو جزئيًا، على تغيير مسار الانهيار.

اقتصاديًا، نحن لا نتحدث عن أرقام رمزية، التقديرات المتداولة تشير إلى أن حقل "كاريش" يحتوي على ما بين 1.4 و1.8 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخراج. وفق أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، فإن القيمة الإجمالية للحقل تتراوح بين 6 و10 مليارات دولار على الأقل، وقد ترتفع مع تطور الأسعار والبنية التحتية. 

حصة لبنان المحتملة، لو ثُبّت حقه التفاوضي ولم يُسلِّم مسبقًا بالخط 23، كانت ستشكّل رافعة تفاوضية مع صندوق النقد، وأن يفتح باب الاستثمار في قطاع الطاقة، وأن يعيد بعض الثقة المفقودة بالنظام المالي، وفي بلد تتآكل فيه الليرة، وتنهار فيه الأجور، وتُستنزف فيه الهجرة ما تبقّى من طاقات، يصبح التفريط بأي فرصة من هذا النوع جريمة سياسية موصوفة، لا خطأ تقديريًا.

سياسيًا، كان "كاريش" اختبارًا لوظيفة القوة خارج الدولة، السلاح الذي لا يُستخدم لحماية ثروة مؤكدة وموثّقة وقابلة للاستخراج، لا يمكن تسويقه بوصفه سلاح دفاع. والسيادة التي لا تُمارَس عند أول مفصل اقتصادي مصيري ليست سيادة مؤجّلة، بل سيادة معلّقة ومفرغة من مضمونها.

كاريش لم يكن نهاية الصراع مع إسرائيل، لكنه كان نهاية الذرائع. ومن يصرّ بعد اليوم على إبقاء السلاح خارج الدولة، يصرّ عمليًا على إبقاء لبنان خارج المستقبل. البلد الذي فوّت فرصة إنقاذ نفسه من الإفلاس بثروة مؤكدة، لا يحتمل المزيد من الأوهام. 

بعد "كاريش" المعركة لم تعد على الحدود البحرية، بل على معنى الدولة نفسها، وعلى حق اللبنانيين بدولة لا تفرّط بما تبقّى لهم من أرض وبحر وثروة، ولا تترك سلاحها خارج شرعيتها.