هل نحتاج إلى هيئة للتخصصات الإعلامية
أصبحت المنصات الرقمية اليوم مساحة مفتوحة للتعبير، وهو تحوّل إيجابي في جوهره، لكنه في الوقت نفسه أفرز تحديا مهنيا متناميا؛ إذ بات المحتوى الإعلامي يتداخل أحيانا بين ما هو احترافي وما هو عابر، وبين ما يستند إلى معرفة وخبرة، وما يعتمد على الظهور السريع والانتشار اللحظي. وفي ظل هذا الواقع، تبرز حقيقة لا ينبغي تجاهلها: الإعلام ليس مجرد حضور على الشاشة، بل هو علم وممارسة ومسؤولية، وأثره يمتد إلى تشكيل الوعي العام وصناعة الاتجاهات وتوجيه الرأي العام.
وتشير أدبيات الاتصال والإعلام إلى أن فهم تأثير الإعلام شهد تحولات متعاقبة عبر العقود؛ بين من بالغ في قوته المطلقة، ومن قلل من أثره، وصولا إلى رؤية أكثر توازنا تدرك أن تأثير الإعلام يتشكل ضمن عوامل متعددة، من بينها الثقافة، والتعليم، والبيئة الاجتماعية، وطبيعة الرسالة نفسها، وهذا ما يجعل مهنية الإعلام ضرورة، لأن الخطأ في المجال الإعلامي لا يبقى محصورا في صاحبه، بل ينعكس على المجتمع بأسره.
في المملكة العربية السعودية، تجاوز الإعلام دوره التقليدي كوسيلة داعمة للتنمية، ليصبح اليوم قطاعا متناميا ضمن منظومة التحول الوطني، وأحد مسارات تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030؛ حيث برزت أهميته كقوة ناعمة تسهم في صناعة الصورة الوطنية، وتعزيز الهوية، وترسيخ القيم، إلى جانب دوره في دعم الاقتصاد الإبداعي والارتقاء بجودة المحتوى المحلي.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن النظر إلى الجهود التي تقودها وزارة الإعلام على أنها توجه حقيقي نحو «صناعة الإعلام» بمعناها الشامل، وليس مجرد إنتاج محتوى عابر. فهناك مسار واضح لتطوير البيئة الإعلامية، والارتقاء بالمضمون، ورفع كفاءة العاملين في القطاع من خلال مبادرات تدريبية ومشاريع وطنية تهتم بتوثيق الذاكرة الثقافية، وتعزيز الاتصال الحكومي، وتحسين مستوى الرسالة الاتصالية داخل المملكة وخارجها. وكل هذه الخطوات تؤكد أن الاستثمار الأهم في الإعلام يبدأ من بناء الإنسان المؤهل قبل أي شيء.
لكن مع هذا التطور، يظل سؤال التنظيم المهني حاضرًا بإلحاح: هل يكفي أن تكون الممارسة الإعلامية قائمة على تراخيص عامة، أم أن المرحلة تتطلب نموذجا أكثر دقة وعدالة في ضبط المهنة؟ وهنا يبرز مقترح إنشاء «هيئة تخصصات إعلامية» كفكرة تستحق النقاش الجاد، بوصفها إطارا مهنيا يوازن بين حرية التعبير، وبين حماية الوعي العام من الممارسات غير المنضبطة.
إن التنظيم المهني لا يعني إغلاق الأبواب أمام المواهب، ولا تقييد الإبداع، بل يعني وضع معايير جودة واضحة تحمي المجتمع وتخدم المهنة في آن واحد. فالحضور الرقمي وحده لا يكفي معيارا للجدارة المهنية، كما أن الانتشار لا يعني بالضرورة أهلية التأثير. ومن هنا، يمكن أن تقوم فكرة «هيئة تخصصات إعلامية» على تصنيف مهني يراعي المسارات المختلفة داخل القطاع، مثل: التحرير، والتقديم، والإنتاج، والإخراج، والعلاقات العامة، والإعلام الرقمي، والاتصال المؤسسي.
كما يمكن أن يتضمن هذا التصنيف درجات مهنية واضحة (مثل: مساعد، ممارس، أخصائي، خبير)، تُمنح وفق معايير تجمع بين التأهيل العلمي، والخبرة العملية، والالتزام بمدونة أخلاقية، واجتياز اختبارات كفاءة أو برامج اعتماد مهني. والهدف من ذلك ليس التعقيد، بل بناء بيئة إعلامية أكثر انضباطا، تضمن أن من يتصدر التأثير العام يدرك حدود المسؤولية، ويتعامل مع الرسالة الإعلامية بوصفها أداة بناء لا مجرد وسيلة حضور.
وتزداد أهمية المقترح في ظل طبيعة الإعلام المعاصر الذي بات يتقاطع مع قضايا حساسة مثل الأمن الوطني، والاستقرار الاجتماعي، وإدارة الأزمات، وحماية القيم، ومواجهة الشائعات، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وفي مثل هذه الملفات تصبح الحوكمة المهنية ضرورية لحماية المجتمع من الفوضى المعلوماتية، ورفع جودة الخطاب الإعلامي، وضمان أن يكون الإعلام شريكا فعّالا في التنمية، بدل أن يتحول إلى عنصر يربك مسارها.
خلاصة القول: الإعلام مسؤولية وطنية، والتنظيم المهني هو ضمان.