سوريا بين السلطوية والتنمية
حين ننظر إلى التاريخ الحديث للدول، تتضح مفارقات غريبة أحيانًا: الصين، حزب شيوعي يحكم باسم البروليتاريا، يدير ثاني أكبر اقتصاد رأسمالي في العالم. النمور الآسيوية، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان، كانت دولًا صغيرة الحجم لكنها حوّلت سلطاتها المركزية إلى أدوات للنمو الصناعي، لتصبح مراكز اقتصادية عالمية.
في المقابل، سوريا في عهد حافظ الأسد، دولة مركزية قوية، حزب موحّد، جيش وجهاز أمني متماسك، كانت تبدو من بعيد مؤهلة للمسار نفسه، لكنها اختارت طريقا مختلفا، فجعلت من السلطوية أداة للمواجهة الإقليمية وللحفاظ على الاستقرار الداخلي أكثر من كونها أداة للتنمية الاقتصادية.
الصين لم تنجح لأنها شيوعية، بل لأنها فهمت أن السلطة هي أداة، والسوق أداة، والتنمية هدف. الحزب احتفظ بالقرار السياسي، لكن سمح للسوق بالعمل، واستثمر رأس المال ليصبح قوة إنتاجية، مع الحفاظ على السيطرة على القطاعات الاستراتيجية.
النمور الآسيوية اعتمدت على نفس الفلسفة: دولة قوية، سياسات صناعية واضحة، تكامل مع الاقتصاد العالمي، واستثمار في التعليم والبنية التحتية، مع إعطاء القطاع الخاص مساحة ليصبح محرك النمو.
سوريا، من جانبها، حاولت تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة، وحققت بعض النجاحات في إنتاج الحبوب والنفط، لكنها بقيت (دولة- سلطة) تضع الأمن والمواجهة الإقليمية في أولوية القرار. الموارد استخدمت لدعم الجيش والمواجهة، وتوظيف الدولة في الصراعات الإقليمية أفرغ الاقتصاد من بعض أولوياته الداخلية، أما القطاع الخاص فبقي محدودا وخاضعا للنظام، لا شريكا إنتاجيا حقيقيا، والاستثمارات بعيدة المدى صعبة بسبب التركيز على الأمن والدور الخارجي، وليس على التنمية.
لو اختار الأسد الإصلاح الاقتصادي في الثمانينيات، لربحت سوريا فرصة مختلفة: قاعدة صناعية متوسطة، طبقة وسطى واسعة، مدن منتجة، وبنية تحتية أفضل، وربما احتوت الاحتجاجات لاحقا بدل الانفجار والانهيار.
الإصلاح كان يتطلب ربط الشرعية بالأداء الاقتصادي، وفصل الأولويات الداخلية عن الصراعات الإقليمية، وترك مساحة لرأس المال المنتج ليعمل ضمن إطار الدولة. الصين قبلت المخاطرة وربحت النمو والاستقرار، وسوريا خشيت المخاطرة فخسرت الزمن كله.
الدرس واضح لكل عربي مهتم بالسياسة والاقتصاد: الاقتصاد بلا أولويات تنموية واضحة لا يمكن أن ينجح، والسلطة بلا إنتاج لا تبقى، والأمن بلا تنمية لا يحمي المجتمع بل يرهقه. الدول التي نجحت، سواء الصين أو النمور الآسيوية، ربطت بين السلطوية والنمو، وبين القوة السياسية والتنمية الاقتصادية، وعرفت كيف تجعل من الدولة أداة للإنتاج لا مجرد أداة للسيطرة.
سوريا أثبتت أن السلطوية بلا تنمية تضيع الفرص الداخلية وتضعف الدولة على المدى الطويل. لم تكن لتصبح الصين أو نمرا آسيويا كاملا، لكنها كان بإمكانها أن تصبح دولة منتجة ومستقرة نسبيا لو اختار النظام الإصلاح الاقتصادي في الوقت المناسب وربط مستقبل الدولة بالنتائج الاقتصادية، لا بالصمود العسكري أو الدور الإقليمي وحده.
الفرصة ضاعت، لكن المرآة واضحة لكل من يريد أن يفهم الفرق بين السلطوية التي تبني دولة، والسلطوية التي تهدمها.