الأمم المتحدة بين سلم ترمب وحذاء خروتشوف
القاعة الرئيسية للأمم المتحدة هي محراب السياسة الدولية منذ إنشاء الأمم المتحدة عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتُعد تلك القاعة مهداً لأهم الخطابات والكلمات السياسية التي تؤثر في الوجدان العالمي، ففيها يتبارى الزعماء بالكلام والمنطق لا بالأسلحة والرصاص، ومع ذلك، فإن هذا المنبر لا يخلو من الطرافة؛ حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب في خطابه الأخير عن حادثة السلم كان طريفا ولافتا، إلا أنه لم يكن الأول، فقد شهدت تلك القاعة أحداثا أكثر صخبا وأشد طرافة مثل حادثة حذاء خروتشوف.
في العام 1960 أثناء الحرب الباردة بين قطبي العالم في ذلك الوقت، شرقه ممثلا في الاتحاد السوفيتي، وغربه ممثلا في أوروبا ومن ورائها الولايات المتحدة الأميركية، كانت تلك القوى، كلٌّ من جهته، يحاول نشر نفوذه الاستعماري في أطراف العالم، فيما يحاول أيضا تقويض نفوذ الطرف الآخر، فكان الاتحاد السوفيتي يدعم تصفية الاستعمار الغربي في أفريقيا، بينما كان الغرب وحلفاؤه يحاولون مقاومة السيطرة السوفيتية على شرق أوروبا.
في الساحة الرئيسية للأمم المتحدة يوم 12 أكتوبر (تشرين الأول) 1960، وأثناء أعمال الدورة الخامسة عشرة للجمعية العامة، جرت جلسة ناقشت "القضاء على الاستعمار" وهاجم خلالها لورينزو سومولونغ، مندوب الفلبين التي كانت موالية للحلف الغربي، الاتحاد السوفيتي بحدة واتهم قيادته بازدواجية المعايير، قال إنها تمارس استعمارا من نوع مختلف في أوروبا الشرقية عبر السيطرة السياسية على "حلف وارسو" وتتشدق بشعارات عن الحرية بينما لا تتوانى عن قمع الحريات في الاتحاد السوفيتي نفسه.
أشعلت اتهامات مندوب الفلبين نيران الغضب في صدر نيكيتا خروتشوف، رئيس الاتحاد السوفيتي الذي كان يحضر الجلسة، فرد بانفعال ورفض الاتهامات جملة وتفصيلا، بل اعتبرها تحرشا سياسيا موجها من الولايات المتحدة نفسها، وأكد في خطابه على أن الاتحاد السوفيتي لا يستعمر شرق أوروبا وإنما هو من حرر دوله من الفاشية، ويقصد ألمانيا النازية، كما أن وجوده هناك هو ضمانة للاستقرار ضد "المؤامرات الإمبريالية"، وفي النهاية اتهم الفلبين بأنها مجرد دمية تحركها الولايات المتحدة.
إلى هنا تبقى الأمور في سياقها الطبيعي والمقبول، فالنقاشات لا تخلو من الخلافات التي تقود إلى الانفعالات أحيانا، ولكن غير المعقول والطريف هو ما دونته روايات تاريخية حول الجلسة، وقالت إن خروتشوف أثناء انفعاله خلع حذائه ولوّح به في وجه الحضور، وفي بعض الروايات كان يقوم بالطرق الشديد على المنصة بالحذاء، مما أثار صخبا داخل القاعة، بعض الحضور كان مستهجناً والبعض الأخر سخر من الموقف الغريب الذي تعتبره أغلب الروايات واحدا من أطرف المواقف في قاعات ونقاشات الأمم المتحدة.
بعد 65 عاما يأتي الرئيس الأميركي ليعيد الطرافة إلى الأمم المتحدة، حيث تحدث بعفوية عن حادثة السلم الكهربائي الذي توقف به أثناء صعوده هو والسيدة الأولى، وقال إن أياً كان من تسبب في تعطل السلم فلن تمر فعلته مرور الكرام، لتضج القاعة بالضحك في واحدة من المواقف النادرة في هكذا محفل.
المفارقة هنا لا تتوقف عند طرافة الحادث ما بين الماضي والحاضر، بل تمتد إلى ما هو أبعد بكثير، فإن ازدواجية المعايير التي وصفها مندوب الفلبين آنذاك ما زالت تُطل برأسها حتى اليوم، فكما كان خروتشوف يتباهى بتحرير وحماية أوروبا الشرقية، رأينا ترمب يفاخر بإنهائه 7 حروب ربما لن يستطيع تسميتها ترمب نفسه، وفي الوقت الذي كان فيه خروتشوف يُناهض الاستعمار ويدعم الحركات الاستقلالية في قارة أفريقيا، رأينا ترمب يَستنكر الحرب الروسية ضد أوكرانيا، ويتغنى بدعم أوكرانيا في حربها، في حين أن الكوكب بأكمله شهد وشاهد كيف أُخرج زيلينسكي من البيت الأبيض قبل شهور.
وكما تغنّى خروتشوف بدعم الحريات بينما كان القمع يعشش في الاتحاد السوفيتي، نادى ترمب بسرعة تحرير الأسرى الإسرائيليين، بينما لم يُعرج على ذكر الضحايا من الفلسطينيين، الشيوخ والنساء والأطفال الذين ارتقوا دون ذنب بفعل الآلة العسكرية الأميركية ذاتها. لذلك، تظل ازدواجية المعايير هي الكلمة المفتاحية في الحادثتين من وجهة نظري.
الفارق الأكبر بين الحادثتين هو أن العالم في الماضي كان يتأرجح بين قوتين، كان ثنائي القطب، كان حقا يمتلك من الردع ما يكبح جماح الباغي إذا ما تمادى وتجبر، أما الآن فنحن في عصر القطب الواحد.
تمرّ الطرائف والمواقف، تندثر قوى وحضارات وتَنشأ وتَعظُم أخرى، وتبقى حفنة من التساؤلات التي تتمنع على إيجاد الجواب الشافي والكافي:
هل تقوم الأمم المتحدة حقا بالدور المنوط بها في حماية المستضعفين حول العالم؟
هل تستطيع أن تُعدّل ميزان القوى؟
هل تستطيع أن تردع الباغي، وتعاقبه، وتنصر المظلوم؟
هل تستطيع، بقرار أممي، أن توقف حربا؟ أن تُنقذ شعبا؟ أن تُحرر أرضا؟ تُدين جرما؟ ه
ل، وهل، وألف هل… كلها عصيّة على الإجابة، بل على الفهم والإدراك. ولكننا سنظل نتساءل بحثا عن الإجابة المفقودة، فالمرءُ أسيرُ أسئلته، ولا يُعتق إلا في أرض الجواب.