دولة منزوعة السلاح: اعتراف متأخر وفخّ سياسي

01 October 2025
blogamal30@gmail.com
امال السعودي
تابع الكاتب عبر :

لم يكن غريباً أن تخرج بريطانيا لتعلن اعترافها بفلسطين، فهي صاحبة "وعد بلفور" ومن أسست لبداية المأساة، لكن الغريب أن يأتي هذا الاعتراف مقرونا بصفة جديدة هي "دولة منزوعة السلاح"، وهو نفس الموقف الذي تبنّته أستراليا وكندا والبرتغال. وفي المقابل، يضع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شرطا آخر لا يقل خطورة وهو ربط الاعتراف بإطلاق سراح جميع الرهائن، وبين اعتراف متأخر وأخر مشروط يُراد لفلسطين أن تولد كدولة ناقصة السيادة ومكبلة منذ لحظة الإعلان عنها. 

حين نعود إلى التاريخ نجد أنّ فكرة "الدولة منزوعة السلاح" لم تكن يوما ضمانة للاستقرار، فألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى جُردت من جيشها، فشعرت بالمهانة وعادت إلى سباق الحرب بقوة أشد حتى تفجرت حرب عالمية ثانية، اليابان بعد الحرب الثانية قبلت دستورا يمنع الجيش لكنها وجدت نفسها تابعة للمظلة الأمنية الأميركية، أي أنها لم تستقل عسكريا يوما. 

كوستاريكا ألغت جيشها بإرادة داخلية، لكنها حالة استثنائية لأن بيئتها الجغرافية والسياسية آمنة، ولأنها محمية بتحالفات إقليمية، والخلاصة من هذه النماذج هي أن نزع السلاح المفروض من الخارج لا يخلق سلاما بل يُبقي الدولة رهينة لقوة أخرى، وفي الحالة الفلسطينية لا يُطرح نزع السلاح كخيار سيادي أو قرار داخلي، بل كشرط إجباري لإرضاء إسرائيل وحلفائها، أي أن الاعتراف الدولي لا يعني هنا اعترافا بالسيادة بل بدولة إدارية لا تملك قرارها الأمني. 

إلغاء حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم مع إبقاء إسرائيل القوة العسكرية المهيمنة، هو تفريغ للاعتراف من مضمونه بحيث تصبح "الدولة الفلسطينية" مجرد لافتة سياسية لتجميل صورة الغرب، كذلك يحول السيادة إلى امتياز مشروط يمكن سحبه أو تقييده عند أول خلاف. 

اعتراف بريطانيا وأستراليا وكندا والبرتغال لا يمكن قراءته خارج سياق التوازنات السياسية الغربية، فهو أشبه بصفقة الاعتراف مقابل شطب جوهر الدولة، أما فرنسا فموقفها يعبّر عن أقصى درجات الابتزاز السياسي، تحويل قضية التحرر الوطني إلى ملف أمني يساوي بين الضحية والجلاد. 

لا قيمة لأي اعتراف بفلسطين إذا كان مشروطًا أو مقرونًا بنزع السلاح. السيادة الحقيقية لا تتحقق بقرارات تصدر من لندن أو باريس أو أوتاوا، بل من قدرة الشعب الفلسطيني على فرض وجوده وانتزاع حقوقه. والتاريخ علّمنا أن الدول التي تُولد منزوعة السلاح لا تعيش بسلام، بل تبقى دائما في حالة عجز معلق.