استغلال الرموز الدينية والتاريخية لأهداف سياسية
هل يمكن لقرار سياسي أن يكتسب شرعيته من اسم نبي؟ وهل يتغيّر جوهر الصراعات لمجرد تغيير تسميتها؟ وأين يقف الحد الفاصل بين السياسة، والعبث بالرموز الدينية؟
هذه الأسئلة لم تعد نظرية ، بل أصبحت ضرورية لفهم ما عُرف منذ عام 2020 بالاتفاقات الإبراهيمية، فالقضية لم تكن اتفاقات تطبيع فقط، بل الطريقة التي جرى تقديمها بها، واللغة التي أُحيطت بها، وما أُريد لها أن تعنيه سياسيا وأخلاقيا .
ظهرت الاتفاقات في لحظة إقليمية معقّدة شهدت إعادة ترتيب للتحالفات، وتصاعدا للمخاوف الأمنية، وتراجعا واضحا لمكانة القضية الفلسطينية في حسابات بعض الأطراف، ومن الزاوية السياسية البحتة يمكن فهم هذه الاتفاقات كقرارات سيادية وتحالفات قامت على منطق المصالح وهو أمر مألوف في العلاقات الدولية .
لكن السياسة لا تُقاس بالقرارات وحدها تُقاس أيضا بالطريقة التي تُشرح بها، وبالخطاب الذي يرافقها، وهنا بدأ الإشكال الحقيقي.
لم تكن المشكلة في التطبيع بحد ذاته فالدول لا تُدار بالأخلاق المجردة ، بل بالمصالح. المشكلة كانت في تسمية هذه الاتفاقات بـ"الإبراهيمية"، وفي استدعاء نبيّ جامع للديانات لتقديم تحالف سياسي على أنه سلام أخلاقي، في وقت لم يتغيّر فيه الواقع على الأرض، احتلال مستمر، استيطان متوسع، وحقوق مؤجلة.
بهذا الاستخدام ، لم يعد الرمز الديني مرجعية أخلاقية تُحاسَب السياسة من خلالها، بل تحوّل إلى أداة لغوية تخفف من حدة الرفض، وتعيد صياغة الصراع من قضية احتلال وعدالة إلى "خلاف تاريخي" يمكن تجاوزه بالتطبيع، هنا لا تُقدَّس السياسة بل يُسيس الدين لخدمتها.
في هذا السياق، جاء موقف الأمير تركي الفيصل واضحا وصريحا، فقد وصف تسمية هذه الاتفاقات بأنها "كلمة حق أُريد بها باطل"، مؤكدا أنها اتفاقيات سياسية بين دول، لا علاقة لها بالنبي إبراهيم عليه السلام، وداعيا إلى إبقاء مقام النبوة بعيدا عن حسابات السياسة. لم يكن هذا الموقف هجوما على قرارات الدول، بل دفاعا عن الفصل بين مجالين مختلفين، السياسة من جهة والنبوة من جهة أخرى.
في الاتجاه نفسه برز موقف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بوصفه موقفا سياسيا ثابتا، فخلال رئاسة دونالد ترمب، تعرّضت المملكة لضغوط مباشرة للانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية إلا أن ولي العهد رفض هذا المسار بوضوح.
أكد ولي العهد أنه لا حديث عن تطبيع مع إسرائيل دون موافقتها الصريحة على حل الدولتين، ودون التزام إسرائيلي لا رجعة عنه بقيام دولة فلسطينية مستقلة. لم يكن هذا الرفض مناورة دبلوماسية بل تعبيرا عن موقف يرى أن التطبيع لا يمكن أن يكون بديلا عن العدالة، ولا طريقا لتجاوز الحقوق.
الأهم أن ولي العهد واجه الضغوط بموقف مماثل في الصلابة، متمسكا بخياره رغم كلفته السياسية. هنا لم تُستدعَ الرموز الدينية لتجميل القرار، ولم يُستخدم الخطاب الأخلاقي كغطاء، بل جرى التعامل مع الملف بلغة سياسية مباشرة، العدالة أولا ثم العلاقات .
الأنبياء، في السرديات الدينية، لم يكونوا يوما أدوات للسلطة، بل كانوا في مواجهتها. واجهوا الظلم، ورفضوا تزيين الواقع وتزييف الحقائق، ودفع كثير منهم ثمن ذلك اضطهادا وقتلا.
وعندما تتحدث قوى تمارس سياسات القوة بلغة الأنبياء فنحن لا نكون أمام سلام ديني، بل أمام استخدام انتقائي للرموز الدينية يخدم الواقع القائم بدل تغييره. هنا يحدث الانتقال من القدسية إلى التدنيس، لا لأن الدين دخل السياسة، بل لأن السياسة لساءت استخدام الدين.
في النهاية لم تكن الاتفاقات هي جوهر الأزمة، بل ما أُريد لها أن تعنيه لم يكن الخلاف على القرار نفسه، بل على الخطاب الذي أُحيط به. فالسلام لا يُصنع بالأسماء ولا بالرموز، ولا باستدعاء الأنبياء إلى طاولة التفاوض، بل بتحقيق العدالة ومعالجة جذور الصراع بدل إعادة تسميته.
حين يُحمَّل النبي ما لا يحتمل، لا نمنح السياسة شرعية، بل نسحب من القداسة معناها. وهذا هو الفارق بين سلام يبدأ بالاسم، وسلام يبدأ بالعدل.