استمرار الانكشاف الأمني لـ "حزب الله'' ودلالاته

28 نوفمبر 2025
إسرائيل تواصل اغتيال قادة "حزب الله" اللبناني (غيتي)
إسرائيل تواصل اغتيال قادة "حزب الله" اللبناني (غيتي)
hroussen137@gmail.com
هاني الروسان
تابع الكاتب عبر :

يشير اغتيال القيادي في "حزب الله" هيثم علي الطبطبائي، في الضاحية الجنوبية لبيروت، مرة أخرى إلى حقيقة صارخة ومستمرة، وهي أن المنظومة الأمنية لـ "حزب الله" وحلفائه الإقليميين لم تستعد عافيتها بعد الضربات القاسية المتتالية التي تلقتها خلال ما يسميها "حزب الله" بحرب الاسناد، بل إنها لا تزال تعاني من انكشاف استخباري نوعي أمام إسرائيل. فاغتيال الطبطبائي الذي وقع في معقل يُفترض أنه الأشد تحصيناً أمنيا، ليس حادثاً معزولا عما سبقه من إحداث مماثلة، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الاختراقات التي بدأت تظهر بوضوح كارثي منذ فضيحة أجهزة البيجر التي أحدثت شللاً واسعاً في شبكة القيادة والسيطرة للحزب وكشفت خريطة انتشاره ومواقعه الحساسة. 

لقد أكدت موجة الاغتيالات التي تلت تفجير أجهزة البيحر، والتي استهدفت رموزاً ثقيلة الوزن مثل الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصر الله ونائبه هاشم صفي الدين، والقادة العسكريين الكبار في كتائب الرضوان، امتداداً للاختراق الذي يشمل أعلى هرم القيادة والتنسيق. يضاف إلى ذلك أن هذا النمط من الاستهداف لم يقتصر على لبنان فحسب، بل امتد ليطال قادة "محور المقاومة" الإقليمي؛ ابتداء من قادة حماس البارزين (كالعاروري وهنية)، مروراً برئيس أركان الجيش الإيراني وكبار قادة الحرس الثوري، ووصولاً إلى بعض القادة المرتبطين بجماعة الحوثي (التي كان الطبطبائي وثيق الصلة بها). 

هذه السلسلة المتزامنة من الضربات في أكثر من عاصمة وإقليم، تؤكد أن المشكلة تتجاوز البروتوكولات الأمنية المحلية للحزب وبقية جهات "محور المقاومة" لتشمل فشل بنية التنسيق والأمن الإقليمي في حماية العقول العملياتية والإدارية للمحور. إن خطورة استمرار هذا الاختراق تتجاوز الخسارة البشرية، حيث يرى المحللون في مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) أن هذا الاستهداف سيؤدي إلى تفكيك التسلسل الهرمي القيادي والتشغيلي للحزب وكل حلفائه الاقليميين، عبر ضرب "حملة الخبرة" في إدارة العمليات الكبرى وصيانة الروابط الإقليمية. 

والمرجح هنا أن استمرار هذا النزيف سيضعف بشدة من قدرة الحزب على التعافي وإعادة البناء في حال اندلاع حرب شاملة، حيث أن تعويض قائد ميداني بخبرة عقود يتطلب سنوات، مما يؤدي إلى تدهور "نوعية" اتخاذ القرار تحت الضغط. ويضاف إلى ذلك أن نجاح إسرائيل في تنفيذ عمليات داخل الضاحية الجنوبية، التي تُعدّ "القلب الأمني المُحصن"، هو برهان قاطع على الاختراق الاستخباري البشري أو التكنولوجي العميق، مما يقلل من مصداقية الردع لدى الحزب. 

وتأكيداً على هذا الهدف الاستراتيجي، كانت المصادر الأمنية الإسرائيلية قد صرحت بأن "جولة الإضعاف لـ"حزب الله" يجب أن تُنجز قبل نهاية العام" لتجنب مفاجآته، وهذا دليل مباشر على أن الهدف هو بناء ضعف هيكلي في قدرات الحزب. إن الدلالة الأهم لاستمرار هذا الانكشاف هي التشكيك في جاهزية "حزب الله" وقدرته على خوض حرب واسعة في المستقبل القريب. فالنزيف القيادي يؤدي إلى شلل في الهيكل التنظيمي واهتزاز في الثقة الداخلية، ويقلل من قدرة الحزب على الصمود أمام هجوم شامل يعتمد على بنك أهداف استخباري دقيق. 

وإذا كان الحزب يواجه صعوبة في حماية قادته في أماكنه المحصنة، يصبح السؤال مشروعاً حول مدى انكشاف ترسانته النوعية ومواقعه العسكرية الحساسة في الداخل اللبناني أمام ضربات مماثلة في حال اندلاع المواجهة الشاملة. هذا الواقع يضع على الحزب مسؤولية حتمية لإجراء مراجعة استراتيجية جذرية لأساليب معالجة الخلل الأمني التي ثبت فشلها في مواجهة التطور المستمر للتفوق الاستخباري الإسرائيلي. 

ويبقى أن نقول أن اغتيال طبطبائي، يؤكد أن فجوة الانكشاف الأمني بين "حزب الله" وإسرائيل لم تُغلق بعد، بل تزداد اتساعاً. وأن هذا الاستمرار في ضرب مراكز القيادة والخبرة يُرسّخ وضعاً استراتيجياً يجعل قدرة "حزب الله" على إدارة حرب شاملة أكثر هشاشة، حيث يعاني من تآكل في القيادة والسيطرة وهشاشة في بيئته الأمنية. هذا النزيف المتواصل يفرض على الحزب ضرورة إعادة تقييم شاملة ليس فقط لبروتوكولاته الأمنية، بل لخياراته الاستراتيجية في المواجهة، في ظل تفوق استخباري إسرائيلي أثبت قدرته على العمل بحرية داخل المناطق التي كانت تُعدّ في السابق الأكثر أمناً.