دبلوماسية التوازن لا يجيدها سوى الرياض
في نهاية الحرب العالمية الثانية، التقى قائدان عظيمان: الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت، رئيس الولايات المتحدة آنذاك عام 1945، على متن الطراد الأمريكي كوينسي. شكّل هذا اللقاء رمزيةً تاريخيةً للعلاقات بين البلدين ورسم ملامحها حتى اليوم. اعترفت المملكة العربية السعودية بجمهورية الصين الشعبية عام 1990، وهذا يُعدّ الاعتراف الرسمي بالعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إلا أن ما لا يمكن غضّ الطرف عنه هو أن بداية التواصل بين الرياض وبكين يعود إلى عام 1987، حين اشترت السعودية من الصين صواريخ باليستية من طراز DF-3 المعروفة باسم “رياح الشرق”.
على عكس ما هو شائع في بعض وسائل الإعلام من أن العلاقة السعودية الأميركية ذات طابع أمني، والعلاقة مع الصين ذات طابع اقتصادي، أرى أن المملكة اليوم تسعى إلى توسيع التعاون مع الدولتين في مختلف المجالات بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
الجميع يعرف عمق العلاقات السعودية الأميركية منذ 1945 إلى اليوم، حتى مع الكثير من الخلافات في بعض القضايا في الفترات المختلفة مثل غزو العراق ودعم إسرائيل وحظر النفط، إلا أن العلاقات بين البلدين ما زالت قوية، خاصة بعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرياض في مايو السابق، وشهدت هذه الزيارة توقيع العديد من الاتفاقيات، وإعلان السعودية الاستثمار في أميركا بمجموع 600 مليار دولار، وتسعى الرياض لزيادة الاستثمار إلى تريليون دولار وفقاً لخطاب سمو ولي العهد في المنتدى السعودي الأميركي، الذي ضمّ العديد من كبار رجال الأعمال السعوديين والأميركيين.
وتسعى البلدان لتوقيع اتفاقيات في المجالات الأمنية والعسكرية والتكنولوجيا والطاقة في زيارة ولي العهد منتصف نوفمبر الجاري، ولأول مرة تفاوض واشنطن والرياض على توقيع اتفاقيات بهذا المستوى دون الضغط للتطبيع مع إسرائيل، حيث سعت الإدارات الأميركية لربط هذه الاتفاقية بانضمام السعودية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، وهذا يعكس براعة الدبلوماسية السعودية، متمثلة في سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ووزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان.
أما بالنسبة للصين، فإن العلاقات بين البلدين تشهد أفضل مراحلها تاريخياً، وتبرز شواهد عديدة على عمق هذه الشراكة المتنامية. ففي عام 2016، وقّع الملك سلمان بن عبدالعزيز خلال زيارته إلى بكين اتفاقية الشراكة الاستراتيجية، التي مثّلت نقطة تحوّل في مسار العلاقات الثنائية. وتُعدّ الصين اليوم أكبر مستورد للنفط السعودي وأكبر شريك تجاري للمملكة، ما يعكس متانة الروابط الاقتصادية بين الجانبين، كما امتد التعاون ليشمل الجوانب الثقافية، إذ أعلنت السعودية إدراج اللغة الصينية ضمن المناهج التعليمية لتعزيز التبادل الثقافي والحضاري.
على الصعيد العسكري، نفّذ البلدان مناورات مشتركة في قاعدة الملك عبدالعزيز البحرية بالجبيل، في خطوة تعبّر عن تطوّر التنسيق الأمني والدفاعي بينهما. دبلوماسياً، نجحت بكين في رعاية استئناف العلاقات بين السعودية وإيران، وهو إنجاز يُظهر مكانة الصين المتنامية في الملفات الإقليمية. ويأتي انضمام المملكة إلى منظمة بريكس ليؤكد أن الشراكة السعودية الصينية تجاوزت البعد الاقتصادي لتشمل مجالات السياسة والطاقة والتكنولوجيا والثقافة، في إطار توجه سعودي واضح نحو تنويع الشركاء وتعزيز التوازن في علاقاتها الدولية.
في الختام، منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991، أصبح النظام الدولي أحادي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية، ولكن اليوم تغيّر الأمر، وهذا ما تدركه الرياض جيداً، إذ إن العالم يتجه ليصبح متعدّد الأقطاب. لذلك، تحرص الرياض على الحفاظ على علاقات استراتيجية مع جميع القوى العظمى والفاعلة في المجتمع الدولي، فنراها تارةً توقّع اتفاقيات استراتيجية مع واشنطن، وتارةً أخرى مع بكين، في لعبة توازنٍ لا يُجيد ممارستها بهذه الحنكة سوى الرياض.