حين تختصر الأداة الطريق تضيع الحرفة

30 نوفمبر 2025
m.alrdhyan.media@gmail.com
محمد الرضيان
تابع الكاتب عبر :

في الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية، أذكر مادة تسمى "التعبير". كانت تبدو سهلة في ظاهرها، وهو أن يكتب أو يتحدث الطالب عما يشعر به أو يدور في ذهنه من أفكار. ومع ذلك كان أغلبنا لا يستطيع التعبير بوضوح، لا كتابة ولا حديثًا. قلت في نفسي حينها: لا تحكم مبكرًا، فهذه طبيعة البشر، ومع الوقت سنتعلم. مرت السنوات، وتغير كل شيء. 

اليوم دخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي عالم الكتابة بقوة. أدوات قادرة على توليد نصوص متكاملة من فكرة بسيطة أو حتى من جملة مبهمة. لم يعد الكاتب بحاجة إلى ورقة وقلم، بل إلى أمر واحد، أن يطلب وخلال ثوانٍ يحصل على نص متسق ومنسق، لكنه في كثير من الأحيان يخلو من الروح، حتى اكتشفنا أن أغلب ما يكتب هذه الأيام متشابه، سواء في المفردات أو في الأسلوب أو في الترتيب. 

الكتابة كانت ولا تزال المعيار الأول في كفاءة أي صحفي. فهي الأصل الذي يقوم عليه كل شكل من أشكال المحتوى، من الخبر والتقرير إلى المقال والتحقيق والسيناريو والموشن غرافيك وحتى محتوى المنصات الاجتماعية. 

مهما تغير شكل المادة الإعلامية أو تنوعت المنصات، تظل الكتابة هي الأساس. من يتقنها يملك مفتاح التأثير والإقناع. لكن المعضلة اليوم أن كثيرا من الصحفيين الجدد يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد النصوص دون أن يشاركوا فعليا في عملية الكتابة نفسها. فحين لا تكتب النص بنفسك، لن تفهمه بالعمق الكافي، ولن تستطيع الدفاع عنه أو تطويره أو شرحه، فيصبح النص مجرد منتج جاهز لا يعبر عنك. حين يتخلى الصحفي عن الكتابة، يفقد تدريجيا حسه الصحافي، ويصبح مجرد ناقل للمعلومات، لا صانعًا لها. 

في الوقت نفسه، تراجع القراءة جعل الأمر أكثر صعوبة. الصحفي الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يكتب بعمق، لأن القراءة تغذي الفكر وتوسع المدارك وتمنح الكاتب لغة وحسًّا مهنيًا. نحن جيل بين زمنين؛ نحاول أن نعيد علاقتنا بالقراءة بعدما سرقتنا الشاشة من الورق، ونحاول أن نفهم الكتابة بعد أن صارت تكتب نيابةً عنا. ربما الحل ليس في رفض التقنية، وإنما في موازنتها. أن نستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي كوسيلة مساعدة، لا كبديل عن العقل البشري.