نصنع القادة أم نكافئ أصحاب المناصب؟
في بيئات العمل، اعتدنا أن نربط النجاح بالترقية، وأن نرى في المنصب القيادي شهادة على الكفاءة. لكن سؤالًا يستحق التأمل يظل حاضرا: هل كل موظف ناجح مؤهل بالضرورة لقيادة الآخرين؟
قد يتقن الموظف عمله، ويحقق نتائج استثنائية، ويصبح مرجعًا في تخصصه، ثم يجد نفسه مسؤولًا عن فريق كامل. هنا تتغير طبيعة المهمة؛ فما كان يتطلب مهارة فردية أصبح يتطلب القدرة على الاستماع والتوجيه واتخاذ القرارات وبناء الثقة. والنجاح في المهمة الأولى لا يضمن تلقائيًا النجاح في الثانية.
لا تكمن المشكلة في ترقية أصحاب الكفاءة، بل في افتراض أن القيادة مكافأة تُمنح، وليست مسؤولية تحتاج إلى إعداد. حين تتعامل المؤسسة مع المنصب بوصفه الجائزة الوحيدة للموظف المتميز، فإنها قد تخسر خبيرًا ناجحًا دون أن تكسب قائدًا مؤهلًا.
والأهم أن القيادة لا تُقاس بعدد الأشخاص الذين يتبعون المدير، بل بمدى قدرتهم على التطور والعمل بثقة. القائد الحقيقي لا يخشى أن يعرف أحد أعضاء فريقه أكثر منه في مجال معين، ولا يرى في نجاحهم منافسة على مكانته. على العكس، يدرك أن قوته تظهر حين ينجح الآخرون بفضله، لا حين يظلون معتمدين عليه في كل تفصيل.
ومع ذلك، ما زالت بعض بيئات العمل تحتفي بالقائد الذي يملك الإجابة عن كل سؤال، ويتخذ كل قرار، ويحضر في كل خطوة. قد يبدو هذا النموذج دليلًا على السيطرة والكفاءة، لكنه يطرح تساؤلًا آخر: ماذا يحدث للفريق حين يغيب هذا القائد؟ إذا توقف العمل بغيابه، فهل بنى فريقًا قويًا، أم جعل نفسه شرطًا لاستمرار العمل؟
كذلك لا يكفي أن يحقق القائد الأرقام المطلوبة. فالنتائج مهمة، لكن الطريقة التي تتحقق بها لا تقل أهمية. قد يصل فريق إلى مستهدفاته وسط خوف دائم من الخطأ أو غياب التقدير. وقد تتحقق إنجازات سريعة على حساب استنزاف الكفاءات. لذلك ينبغي أن يشمل تقييم القيادة أثرها في الناس، لا أثرها في التقارير وحدها.
تبدأ صناعة القادة قبل منحهم المناصب؛ بإتاحة فرص لقيادة المشاريع، وتعلّم إدارة الخلافات، وتلقي الملاحظات، وتحمل نتائج القرارات. وتحتاج المؤسسات أيضًا إلى مسارات تقدّر الخبرة المتخصصة دون أن تجعل إدارة الأشخاص الطريق الوحيد للتقدم المهني.
ومن المهم أن تدرك المؤسسات أن بناء القيادات ليس مهمة إدارة الموارد البشرية وحدها، بل ثقافة تبدأ من الإدارة العليا، وتنعكس في طريقة توزيع الفرص وتقييم الأداء ومحاسبة المسؤولين.
أما على المستوى الفردي، فربما يحتاج من يطمح إلى القيادة أن يسأل نفسه سؤالًا مختلفًا: هل أريد المنصب لما يمنحني من صلاحيات، أم لما يتيح لي من مسؤولية وتأثير؟ فالفرق بين الإجابتين قد يحدد شكل التجربة كلها.
في النهاية، تستطيع المؤسسة أن تمنح موظفًا لقب مدير في يوم واحد، لكنها لا تستطيع أن تمنحه ثقة فريقه بالقرار نفسه. تلك الثقة تُبنى بالمواقف والعدل والقدرة على الاعتراف بالخطأ، وتظهر حين يشعر الأفراد أنهم أكبر من مجرد منفذين للتعليمات. فالمنصب يُمنح بقرار، أما القيادة فتُثبت بالأثر.