عندما نقع في "الجهل المقدس"
كنت اتصفح الفيسبوك، كعادتي، بعد الفراغ من أعمالي التربوية وما يتصل بشغفي القديم بالمطالعة والكتابة، فإذا بمقطع قصير للدكتور الطيب بوعزة يتحدث فيه عن مفهوم لافت: "الجهل المقدس".
توقفت عند المقطع، لا لطول الحديث، وانما لقوة الفكرة التي يحملها، فقد قال: "ليس هناك أقصى على المجدد والفيلسوف، وأكثر انبعاثا لطاقة الدهشة عنده، من الجهل المقدس، من تشبث الناس بأفكار خاطئة بالية تشبث القداسة. هذا ما يخلخل الفيلسوف ويجننه: كيف يمكن لفكرة مثل هذه أن تذاع وتأخذ الجموع؟ ولهذا لا يريد الفيلسوف أن يكون مع القطيع، لأن القطيع لا يفكر".
ظللت بعد سماع العبارة أفكر في سؤاله أكثر من عبارته: كيف تتحول الفكرة الخاطئة الى شيء مقدس؟ وكيف يستطيع الوهم، إذا طال به المقام بين الناس، أن يرتفع من مرتبة الرأي إلى مرتبة الحقيقة، ثم يصبح الاقتراب منه ضربا من الخروج على الجماعة؟
لعل أخطر أشكال الجهل هو علم الجاهل بجاهله، لأنه لا يترك في النفس منفذا للسؤال، ولا يفتح بابا للمعرفة. أما "الجهل المقدس" فمصيبته أعظم، لان صاحبه لا يرى نفسه جاهلا، وانما يرى جهله يقينا، ويرى مخالفه ضالا، ويحيط فكرته بسياج من الخوف والاتهام والتخوين، حتى يصبح السؤال نفسه جريمة، والنقد خيانة، والمراجعة ضعفا.
إن الجهل المقدس لا يعني جهلا بالدين بالضرورة، وإنما يمكن أن يقدس الإنسان فكرة سياسية، أو عادة اجتماعية، أو قراءة للتاريخ، أو حكما اخلاقيا، أو رأيا ثقافيا، أو صورة عن الذات والآخر.. الخ، فالمقدس في هذا المقام هو الحصانة التي يمنحها الإنسان لفكرة من أفكاره، فيمنع عنها السؤال والنقد والمراجعة.
كم من فكرة واهية عاشت قرونا لا لقوة البرهان الذي يسندها، وإنما لقوة الجماعة التي تحرسها. وكم من رأي قديم صار عند الناس دليلا على الصواب لمجرد أنه قديم. كأن الزمن وحده يمنح الأفكار شهادة الحقيقة، وكأن ما ورثناه عن الآباء والأجداد ينبغي أن يبقى فوق ميزان العقل. لكن، هل كل ما ورثناه حق؟ وهل القدم دليل الصواب؟ وهل كثرة المؤمنين بفكرة تمنحها صحة؟ وهل يمكن لعقل أن يبلغ الرشد إذا جعل من الموروث حدا لا يتجاوزه؟
لقد كان تاريخ الفكر الإنساني سلسلة طويلة من التمرد على البديهيات: كوبرنيكوس هز صورة الكون التي استقرت في أذهان عصره، وغاليليو واجه سلطة المعرفة السائدة، وديكارت جعل الشك أداة لبلوغ اليقين، وسقراط جعل السؤال مهنة العقل ووسيلته الى كشف الوهم، لم يبدأ هؤلاء من يقين مريح، وإنما بدأوا من سؤال مزعج.
هذا هو جوهر الفلسفة: أن تجعل المألوف موضع سؤال. إن الفيلسوف لا ينزعج من السؤال، بقدر ما ينزعج من الفكرة التي تمنع السؤال. والمجدد لا يخشى انهيار فكرة قديمة، لأنه يعلم أن الحقيقة لا تحتاج إلى حراسة القطيع، وانما تحتاج الى البرهان. أما الفكرة الهشة فتحتاج دائما إلى جماعة تحرسها، وإلى سلطة تمنع نقدها، وإلى خوف يجعل الاقتراب منها محرما. ولذلك كان قول سقراط في دفاعه عن نفسه أثناء محاكمته في أثينا عام 399 قبل الميلاد بتهمة "إفساد الشباب" و"عدم الإيمان بآلهة المدينة": "الحياة التي لا تمتحن لا تستحق أن تعاش".
تعتبر هذه العبارة من أكثر العبارات التصاقا بجوهر المسألة. فالامتحان هنا لا يعني الامتحان بالمعنى المدرسي، وإنما فحص الافكار والمعتقدات والمسلمات التي يسكن اليها الإنسان. أن يسأل المرء نفسه: لماذا اعتقد هذا؟ ومن أين جاءت هذه الفكرة؟ وما الدليل عليها؟ وهل يمكن أن أكون مخطئا؟
تلك الاسئلة الصغيرة قد تفتح في العقل أبوابا عظيمة لكن الجماعة كثيراً ما تخاف من السؤال، لأن السؤال يهدد انسجامها. ولذلك تميل بعض الجماعات إلى صناعة قطيع فكري، يكون فيه الانتماء مقدما على الحقيقة، حيث يصبح المطلوب منك أن تكرر ما يقوله الجميع لا أن تفكر فيه، ومن يخرج عن الصف يتعرض للسخرية أو التخوين أو الإقصاء. وفي هذا الصدد، تبرز خطورة عبارة "القطيع"، فهذه الأخيرة لا تعني كثرة الناس، ولا الجماعة في ذاتها، وانما العقل الذي يتخلى عن استقلاله داخل الجماعة.
يمكن لمئة إنسان أن يفكروا تفكيرا حرا، ويمكن لإنسان واحد أن يحمل داخله قطيعا كاملا من الأفكار الموروثة التي لم يمتحنها قط. لذلك لا تكمن المشكلة في أن نختلف، وإنما في أن نعجز عن تبرير ما نقول. ولا تكمن المشكلة في أن نحمل أفكارا قديمة، فالقديم قد يكون عظيما، وإنما في أن نمنح الفكرة حصانة من السؤال بسبب قدمها.
لعل أخطر ما يصيب المجتمعات أن يصبح الجاهل صاحب سلطة رمزية، فيجلس على عرش المعرفة، ويتولى توزيع صكوك الصواب والخطأ. عندها يغدو صاحب السؤال متهما، وصاحب الصمت حكيما، وصاحب التكرار عالما، ويصبح التفكير فعلا شاذا يحتاج الى تبرير.
لقد كان ابن خلدون شديد الحساسية تجاه الأخبار والروايات التي تتناقلها الجماعات، ولم يكن يقبل الخبر لمجرد شيوعه، وإنما كان يسأل عن امكانه وموافقته لطبيعة العمران، وفي ذلك درس خالد: كثرة التداول لا تصنع الحقيقة.
ربما لهذا كله شعرت أن عبارة "الجهل المقدس" تتجاوز وصف حالة معرفية إلى وصف مأزق حضاري، حيث أن النهضة لا تبدأ من كثرة المعلومات، وإنما من تحرير العقل من الخوف الذي يمنعه من السؤال. والمجتمع الذي يخاف من السؤال يبني جدرانا حول نفسه، ثم يتعجب بعد ذلك من تأخره وتقهقره وتخلفه الحضاري.
ما احوجنا إلى منظومة فكرية وحضانة شعبية تجعل الطفل يسأل، والمدرس يناقش، والباحث يشك، والمثقف يحاجج، والمفكر يراجع، والمجتمع يقبل الاختلاف. وما احوجنا إلى تربية تقول للإنسان: قد تخطئ، وهذا لا ينقص من قيمتك؛ وقد تصيب، وهذا لا يمنح فكرتك قداسة.
إن أكبر انتصار للعقل لا يكون في أن نملك أجوبة كثيرة، وإنما في أن نملك الشجاعة الكافية لنعيد النظر في بعض أجوبتنا. فربما كان السؤال الذي يوقظنا من سباتنا الطويل أعظم قيمة من الجواب ورثناه ثم عبدناه فكريا. وعليه، فالجهل المقدس يبدأ من فكرة لا تقبل السؤال، وينتهي بعقل لا يعرف كيف يسأل، وبين البداية والنهاية يضيع الانسان.