حين تتداخل النبوءات الدينية مع السياسة
في مقابلة أثارت الكثير من الجدل، فتح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الباب على مصراعيه أمام نقاش ديني وسياسي غير معتاد من شخصية رفيعة في الدولة، حين تحدث بصراحة عن نبوءات "آخر الزمان" وإمكانية أن يكون "المسيح الدجال" يعيش بيننا حالياً.
جاءت التصريحات خلال حلقة من "بودكاست برايس كروفورد"، وهو برنامج يقدمه شاب مسيحي إنجيلي يبلغ من العمر 22 عاماً. وحين سُئل فانس عما إذا كان يعتقد أننا نعيش في "آخر الزمان"، أجاب بأنه لا يملك يقيناً تاماً، لكنه أقر بأن هناك أموراً في العالم تجعله لا يستبعد أن يكون المسيح الدجال يتحرك بيننا الآن. وأضاف أنه يحاول ألا ينشغل كثيراً بهذا الموضوع رغم افتتانه به، لأن عليه واجبات أخرى تجاه أسرته وعمله كقائد سياسي. ولم يكتفِ فانس بهذا القدر من التأمل الديني، بل ذهب إلى القول إنه مرتاح تماماً إذا كان سعيه لفعل "عمل الرب" سيؤدي في النهاية إلى التعجيل بآخر الزمان، معتبراً أن هذه النتيجة، إن حدثت، ستكون مقبولة روحياً بالنسبة له شخصياً.
من أكثر أجزاء الحديث إثارة للاهتمام ربطُه بين النقاش الديني وصناعة التكنولوجيا؛ إذ أشار فانس إلى شعوره بوجود ما وصفه بـ"طاقة روحية غريبة ومظلمة" تحيط ببعض شركات الذكاء الاصطناعي، مستشهداً بمثال طريف: بعض هذه الشركات، بحسب قوله، تقيم ما يشبه "مراسم دفن" رمزية حين تستبدل نموذجاً قديماً من نماذجها بآخر أحدث. كما عاد للحديث عن نظريته السابقة حول الأجسام الطائرة المجهولة، والتي كان قد طرحها في مقابلة سابقة، حين رجّح أنها ليست كائنات فضائية بل ظواهر ذات طبيعة "شيطانية".
ولم يقتصر النقاش على التأملات الشخصية، إذ تطرق فانس أيضاً إلى منشور مثير للجدل نشره الرئيس دونالد ترمب على مواقع التواصل، تظهر فيه صورته بهيئة أقرب إلى شخصية دينية أو ليسوع، وحين واجهه مقدم البرنامج، وهو نفسه مسيحي متدين، بأن الصورة أزعجته، دافع فانس عن ترمب قائلاً إن الرئيس لم يقصد بها أي إساءة أو استهزاء.
هذه التصريحات لا تأتي من فراغ؛ فانس، الذي اعتنق الكاثوليكية عام 2019 كما يروي في مذكراته الجديدة "Communion"، معروف باهتمامه الطويل بعلم الأخرويات (Eschatology)، أو ما يُعرف بـ"نهاية الزمان" في اللاهوت المسيحي. وقد أثارت تصريحاته موجة من التعليقات المتباينة بين الأمريكيين: فبينما رأى فيها البعض تعبيراً صادقاً وشفافاً عن قناعات دينية شخصية يحق لأي مسؤول التعبير عنها، استخدمها منتقدون آخرون للسخرية من فانس وترمب، معتبرين أن سياساتهما تتعارض مع قيم التعاطف والرحمة التي يمثلها يسوع في التعليم المسيحي، وأن الوصف الذي يخشاه فانس قد ينطبق في نظر هؤلاء على أطراف أخرى غير التي يفكر فيها.
يعكس حديث فانس جانباً غير مألوف من الخطاب السياسي الأمريكي المعاصر، لم يعتَد عليه الأمريكيون من كلا الحزبين، حيث تتداخل النبوءات الدينية مع التكنولوجيا والسياسة. ولو اعتبرنا تصريحاته تعبيراً صادقاً عن إيمان شخصي عميق، أو حتى مادة دسمة للانتقاد السياسي، فإنها تفتح نافذة على طريقة تفكير أحد أهم صناع القرار في واشنطن حول قضايا تتجاوز السياسة اليومية للبيت الأبيض إلى أسئلة وجودية أكبر بشأن مصير العالم.
وحين ذكر فانس "الدجال"، لم تكن زلة لسان، بل كان يقصد ما هو أبعد من ذلك، وهو يعلم جيداً ما يقول؛ فقد اختار هذا البرنامج وتلك اللحظة بالذات لإيصال رسالته إلى الشعب الأمريكي والعالم. ومنذ أزمة كورونا والإغلاق الذي تلاها، بدأ العالم أكثر سرعة وفوضى، وفي خضم هذه السرعة يتردد سؤال قديم في ذهني: هل ما نراه مجرد فوضى تاريخية عابرة، أم أن العالم يقترب فعلاً من مرحلة مختلفة تماماً؟
هنا يعود مفهوم "الدجال" بقوة، لا بوصفه شخصية دينية مرتبطة بنهاية الزمان فحسب، بل كرمز للخداع وقلب الحقائق وإظهار الباطل في صورة الحق. فإذا كان إبليس، وفق التصور الديني، يسعى إلى إضلال الإنسان، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس ظهور الشر بصورة واضحة، بل أن يصبح الشر طبيعياً مألوفاً، وأن يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم.
ربما لهذا السبب تحديداً أصبح سؤال "هل نحن في آخر الزمان؟" أكثر حضوراً اليوم من أي وقت مضى: فحين ننظر إلى المشهد العالمي، نرى الحروب والصراعات بين القوى الكبرى، وانتشار الفوضى في بعض المناطق، والانقسام غير المسبوق، إضافة إلى التغير المناخي والانفجار التكنولوجي وثورة الذكاء الاصطناعي، ثم الفضائح التي كشفت عوالم خفية مثل فضيحة جزيرة إبستين؛ فنجد أنفسنا أمام مشهد يدفع كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الأحداث تصف بدقة ما ورد في النصوص الدينية عن الأزمنة الأخيرة.
قد نكون نعيش بداية مراحل "آخر الزمان"، لكن لا أحد يملك أن يجزم بأن النهاية قد بدأت فعلاً، أو أن موعدها معروف. العلامات قد تكون أمامنا، أما توقيتها النهائي فليس بيد الإنسان، بل بيد الخالق سبحانه وتعالى.