كيف دفعتنا كثرة الخيارات الصحية نحو الأسوأ؟

13 September 2026
Abaalrous@gmail.com
غازي ابا الروس
تابع الكاتب عبر :

​لم يعد طعامنا اليوم مجرد وسيلة لسد الجوع أو استعادة الطاقة، بل تحول إلى حقل تجارب مفتوح تتقاذفه الأهواء والشاشات. في الماضي القريب، كان الناس يأكلون ما توفره الأرض وما تنتجه الطبيعة بحفو وبساطة مطلقة، دون أن يحمل أحدنا هم السعرات الحرارية أو يرهق عقله في تصنيف الوجبات إلى نافعة وضارة.

كانت الموائد تعج بأطباق عفوية تشبه إيقاع الحياة الهادئ، فنجا الأجداد من أمراض العصر ووساوس الميزان التي باتت تلاحقنا في كل زاوية. أما اليوم، ومع الانفجار الرقمي الهائل الذي تحكم في تفاصيل حياتنا، فقد انقلبت الموازين رأسًا على عقب، لتصبح أبسط لقمة قضية رأي عام تحتاج إلى توجيهات خبير افتراضي طارئ من مشاهير المنصات الرقمية الذين لا همّ لهم سوى حصد المشاهدات وجني الأرباح المادية الطائلة على حساب صحة العوام البسيطة.

​والمفارقة المرة أننا نعيش عصرًا يزعم أنه الأحرص على الصحة، بينما تشير الشواهد كلها إلى أننا نتجه بخطى متسارعة نحو الأسوأ. فمنذ اللحظة التي فتحنا فيها أبواب بيوتنا لثقافة "الدايت" المستوردة والبدائل المعلبة، ضاع المعيار الحقيقي للاستقرار الغذائي وصار الإنسان رهينة للمعلومات المغلوطة.

لم تعد المشكلة في ندرة الطعام المتوفر، بل في طوفان الخيارات المزيفة التي تغرق الأسواق تحت شعارات خادعة تَعِد بالرشاقة والعافية الوهمية. هكذا وجد الإنسان العادي نفسه فريسة سهلة لجيوش جرارة من أصحاب الحميات المخترعة والترندات العابرة؛ فهذا يفتي بتحريم النشويات وكأنها وباء، وذاك يدعو لصيام قاسٍ يهدم طاقة الجسد ويشتت الذهن، ليجد البسيط نفسه يتخبط في دوامة من التناقضات التي لا تنتهي ولا تستند إلى عقل أو طب حقيقي سليم.

نتيجة لهذا الهوس المستشري، هجر الناس طعامهم المألوف والمغذّي حقًا، وهرعوا خلف منتجات تحمل ألوانًا زاهية وعبارات رنانة مثل "خالي من السكر" أو "قليل السعرات"، وهي في حقيقتها كتل من المواد المصنعة والمهدرجة والكيماويات التي تُهلك الأبدان ببطء شديد.

لقد تسبب هذا الانجراف في تحويل العلاقة الفطرية بين الإنسان وطعامه إلى صراع نفسي دائم، وصار الواحد منا يقضي وقته حائراً بين قراءة الملصقات وتطبيق جداول معقدة تفارقه فيها متعة الأكل والاجتماع العائلي الدافئ. إننا نأكل اليوم أسوأ مما أكل آباؤنا، ليس لقصور في الموارد، بل لأننا سلمنا أذهاننا لشركات تجارية لا تبحث إلا عن جيوبنا، وتتاجر بأوهام الصحة والتخسيس دون رادع أخلاقي أو ضمير مهني يحمي المستهلك من طمع الأسواق المفتوحة والشركات العابرة للقارات.

​إن التمادي في هذا التخبط المجتمعي ينذر بجيل كامل من الأسرى المرضى بالوسواس القهري تجاه ما يدخل أجوافهم، حيث تصبح الأمراض المرتبطة بسوء التغذية العميقة والاضطرابات النفسية هي السائدة في حياتنا. ما لم نستعد وعينا البسيط ونعود إلى الفطرة التي تعرف كيف توازن بين الغذاء والحياة، سنبقى مجرد أرقام في قائمة زبائن دائمين لشركات تجيد صنع الوهم وتبيعه لمن يبحث عن العافية.