الفراغ السردي: من يروي قصة مصر؟
في غياب الصوت الرسمي، لا يبقى الفراغ فراغاً، بل يُملأ بروايات لم تخترها الدولة
ثمة قانون صامت يحكم عالم الاتصال السياسي: الفراغ السردي لا يبقى فارغاً. حين تغيب رواية الدولة عن أي حدث أو ملف أو أزمة، لا ينتظر الناس التوضيح الرسمي، بل تتدافع روايات أخرى لتملأ المكان، فتُشكّل الصورة وتُحدد الإطار الذي سيُقرأ من خلاله كل ما يأتي لاحقاً. وحين يصل الصوت الرسمي متأخراً، لا يجد أرضاً خالية يبني عليها، بل واقعاً سردياً مكتملًا يحاول تفكيكه. وهي معركة أكثر كلفة وتعقيداً.
هذا ليس رأياً، بل مبدأ راسخ في نظرية الاتصال السياسي. منذ أن أرسى روبرت إنتمان مفهوم «التأطير» عام 1993، باتت الدراسات تؤكد أن الإعلام، وبالتوسع كل فاعل اتصالي، لا يعكس الواقع فحسب، بل يُعرّفه. يحدد ما هو مشكلة وما هو حل، ومن هو المسؤول وما هو المطلوب. الدولة التي تترك هذا «الإطار» شاغراً لا تكون محايدة، بل تكون غائبة. وغيابها ليس حياداً، بل تنازل.
أولاً: الفراغ لا يُملأ، بل يُعاد تعريفه
المشكلة لا تكمن في أن الفراغ يُملأ، بل في الكيفية التي يُملأ بها. عندما تغيب الرواية الرسمية، لا تنطلق الأطراف الأخرى من نقطة البداية نفسها، بل تفرض نقطة انطلاق جديدة بالكامل. لا تكتفي بالإجابة عن السؤال المطروح، بل تعيد صياغته من الأساس. في تلك اللحظة تحديداً، تفقد الدولة حق تعريف الواقع وتحديد معناه. فلا يعود الخلاف حول «ما الذي حدث»، بل يتحول إلى صراع حول «ماذا يعني ما حدث».
في السياقين المصري والإقليمي، عندما يتأخر الخطاب الرسمي أو يأتي غامضاً أو يغيب تماماً، تتولى ثلاثة مصادر رئيسية ملء هذا الفراغ. لكل منها منطقه وأجندته، وجميعها تتحرك بوتيرة أسرع من أدوات الاتصال الحكومي التقليدية.
أولها منصات التواصل الاجتماعي، حيث لا ينتصر الأكثر دقة بل الأكثر إثارة. سرعان ما يتحول أي حدث إلى عشرات الروايات التي يغلب عليها الانفعال أكثر من المعلومة، بينما تكافئ الخوارزميات المحتوى القابل للانتشار لا المحتوى الأكثر صحة. وهكذا يُعاد تشكيل الحدث في صورة قصة عاطفية مكثفة، مصحوبة بتفسير جاهز يصعب تصحيحه أو تفكيكه لاحقاً.
ثانيها المنافسون. في بيئة إقليمية تتسم بالتنافس، لا يعني غيابك أن يسود الصمت، بل يعني أن آخرين سيتحدثون نيابة عنك. المنافس لا يصنع رواية من فراغ، بل يعيد توظيف عناصر من واقعك داخل إطار يخدم مصالحه. وكلما طال التأخر، ازدادت روايته رسوخاً وإقناعاً، فتنتقل الدولة من موقع صانع الرواية إلى موقع المعلّق عليها.
أما المصدر الثالث فهو الإعلام الدولي، الذي كثيراً ما يتعامل مع دول المنطقة من خلال أطر تفسيرية جاهزة، مثل الاعتماد على المساعدات أو تعثر الإصلاح أو عدم الاستقرار. الدولة التي تمتلك خطاباً واضحاً ومتسقاً تقلل حاجتها إلى الدفاع المستمر عن نفسها، لأنها تحدد إطار النقاش قبل أن يحدده الآخرون.
الإطار الذي يُحدد كيف يُفهم الحدث أشد تأثيراً من الحدث ذاته، لأنه يبقى في الذاكرة الجمعية بعد أن تتلاشى التفاصيل.
ثانياً: الصمت ليس حياداً
من الأخطاء الشائعة في إدارة الاتصال الحكومي الاعتقاد بأن الصمت خيار آمن حين تكون المعطيات غير مكتملة أو حين يكون الموقف حساساً. لكن علم الاتصال السياسي يثبت عكس ذلك. الصمت لا يُعطّل التأطير، بل يُفوّضه إلى آخرين. وحين يصل التوضيح الرسمي متأخراً، يجد نفسه في موقع الدفاع لا البناء.
هذه المعضلة تتشابك مع مسألة الثقة العامة. فقد أثبتت أبحاث اقتصادية وجود علاقة إيجابية ذات دلالة بين مستويات الثقة العامة وقدرة الدول على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية. المجتمعات التي تتمتع بمستويات أعلى من الثقة تكون غالباً أكثر استعداداً لتقبّل التغييرات والسياسات الإصلاحية، حتى عندما تنطوي على تكاليف قصيرة الأجل. لذلك، لا تُعد الثقة مجرد نتيجة للإصلاحات الناجحة، بل أحد العوامل التي تهيئ البيئة اللازمة لتنفيذها. في هذا السياق، يبرز الاتصال الفعّال أداة رئيسية في بناء هذه الثقة وتعزيزها أو إضعافها.
ويؤكد صندوق النقد الدولي في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» لعام 2024 أن نجاح الإصلاحات الكبرى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة التواصل مع الجمهور وإشراكه في فهم السياق والمقايضات المطلوبة. الدولة التي تحكم الإصلاح دون أن تحكم الاتصال تُعرّض نتائج الإصلاح نفسه للخطر.
ثالثاً: من يُحدد ما نفكر فيه؟
لفهم مخاطر الفراغ السردي، يمكن الاستعانة بنظرية «ترتيب الأولويات» (Agenda Setting)، التي تفترض أن وسائل الإعلام لا تخبر الناس بما يفكرون فيه بقدر ما تحدد لهم القضايا التي تستحق التفكير والاهتمام. تطورت النظرية لاحقاً لتشمل ليس فقط ترتيب أولويات القضايا، بل أيضاً الأطر التفسيرية التي تُقدَّم من خلالها. فالقضية الواحدة قد تُفهم بطرق مختلفة تبعاً للإطار الذي يحيط بها.
من هذا المنطلق، لا يتمثل الفراغ السردي في غياب المعلومات وحده، بل في غياب الإطار الذي يمنحها معناها. وعندما تتخلى الدولة عن دورها في صياغة هذا الإطار، سواء بالصمت أو بخطاب تقني جاف، تترك المجال لآخرين لتحديد كيفية فهم الأحداث وتفسيرها. وهو ما يصعب تصحيحه بعد ترسخ الرواية البديلة. فالرواية التي تملأ الفراغ أولاً هي التي تُحدد كيف تُقرأ كل الروايات التي تأتي بعدها، بما فيها الرواية الرسمية.
رابعاً: التحديات البنيوية ونموذج السردية الاستراتيجية
يواجه الخطاب التنموي المصري تحديات بنيوية تتجاوز مسألة «من يتحدث» إلى «كيف يُنظَّم الحديث» و«لمن يُوجَّه». من أبرز هذه التحديات ما يمكن تسميته «تعدد الأصوات الرسمية». تتحدث الوزارات والهيئات والأجهزة المختلفة أحياناً بأساليب متباينة وبتركيزات مختلفة على الجوانب ذاتها من الملف نفسه. هذا التباين يُشكل انطباعاً بعدم الاتساق، ويُستثمره من يرغب في بناء سردية بديلة.
التحدي الثاني يتمثل في صعوبة مخاطبة جماهير متعددة برسالة واحدة. تختلف احتياجات المواطن والمستثمر والمؤسسات الدولية، ما يتطلب ترجمة الرسائل التنموية إلى لغة تناسب كل جمهور دون الإخلال بالمضمون.
أما التحدي الثالث فهو عامل الزمن. في عصر المنصات الرقمية، تتشكل الروايات خلال ساعات، بينما يجد الخطاب الرسمي المتأخر نفسه في مواجهة تصورات ترسخت بالفعل. عندها لا يصبح التحدي مجرد تقديم المعلومات، بل إعادة تشكيل إطار تفسيري سبق أن استقر في أذهان الجمهور.
الفارق الحاسم في تجارب الدول الناجحة يكمن في الاستباق لا الاستجابة، عبر ما بات يُعرف بـ«السردية الاستراتيجية للدولة»: منظومة متماسكة من الرسائل والأطر تُخاطب جماهير متعددة في آن واحد دون تناقض. يقوم هذا النموذج على ثلاثة مستويات متداخلة: السردية الهوياتية التي تُجيب عن «من نحن؟»، والسردية التنموية التي تُجيب عن «إلى أين نسير؟»، والسردية السياقية التي تُجيب عن «لماذا هذا الخيار الآن؟». ومتى توفرت هذه المستويات الثلاثة بصورة متسقة، تنحسر المساحة المتاحة للروايات البديلة. وكما يشير صندوق النقد الدولي، فإن تصميم الإصلاح وتصميم الاتصال حوله يجب أن يسيرا معاً لا بالتتابع.
سادساً: من المسؤول؟
السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه المعطيات ليس «هل نحتاج إلى خطاب وطني أفضل؟»، فالإجابة بديهية، بل «من المسؤول عن بناء هذا الخطاب وصونه وتطويره باستمرار؟». وهو سؤال تنظيمي وسيادي في آن واحد.
الحكومات التي تستثمر بجدية في منظومة الاتصال الاستراتيجي لا تفعل ذلك رفاهية، بل ضرورة. وثّقت أبحاث الاتصال الحكومي الاستراتيجي أن غياب التنسيق المؤسسي يُعد من أبرز العقبات أمام فاعلية الخطاب الحكومي، وأن وجود جهة مركزية للتنسيق، لا للسيطرة، يُشكل فارقاً جوهرياً في القدرة على بناء خطاب متسق. بريطانيا، مثلاً، توظف أكثر من سبعة آلاف متخصص في التواصل الحكومي، وأنفقت في عام 2023-2024 ما يزيد على 750 مليون جنيه إسترليني على الاتصال المؤسسي.
هذه الجهة المركزية لا تُصدر بيانات، بل تُدير معنى. ولا تُوزع أخباراً، بل تُحدد إطاراً. ولا تفرض صوتاً واحداً، بل تضمن أن تُسهم الأصوات المختلفة في بناء قصة واحدة متماسكة بدلاً من أن تروي كل منها قصتها المنفصلة. وهي بذلك تؤدي وظيفة سيادية: حماية الصورة الوطنية من أن تُصاغ بأيدٍ أخرى، وحماية الثقة العامة من التراجع في أوقات الضغط.
قصة مصر قصة حقيقية وكبيرة، فيها من الثراء والتحول والطموح ما يكفي لسرديات متعددة ومقنعة. لكن القصة التي لا تُروى جيداً تظل محجوبة.
السؤال المطروح على صانع القرار اليوم ليس «هل هناك ما يُروى؟»، بل «من يتولى روايته، ومتى، وبأي لغة، ولأي جمهور، وكيف نضمن ألا يسبقنا إليه غيرنا؟».