بين كذب المنابر وخيانة الأحزاب.. اختنقت تعز

19 October 2025
مدينة تعز تعاني مشكلات اقتصادية وأمنية (غيتي)
مدينة تعز تعاني مشكلات اقتصادية وأمنية (غيتي)
mohoom36@gmail.com
محمد عبدالقادر اليوسفي
تابع الكاتب عبر :

في تعز لم تعد المعركة على الأرض، بل على الفيسبوك، هناك حيث صار بعض الإعلاميين قادة جبهات، وبعض الناشطين وزراء إعلام، تتطاير الشتائم على شكل بيانات ويتحول الكذب إلى مهارة وطنية. مدينة كانت يوماً منارة للوعي وأصبحت اليوم حلبة للمزايدات، يتقافز فوقها تجار السياسة والثرثرة بلا حياء ولا خجل. الأحزاب التي وعدت الناس بالتحرر تحررت من الأخلاق فقط، تقاسمت المدينة كما تُقسم الغنائم بعد الحرب، هذا الحزب يأخذ المكتب الفلاني، وذاك الحزب يحتكر المنصب الفلاني، والبقية فتات يرمى على المصفقين. 

المحاصصة صارت قانونا مقدساً، ولو كان الأكسجين يُحتكر لفعلوا وأصبح يحتاج توقيعاً حزبياً لنتنفسه. الشباب مدفونون تحت ركام الوعود، مؤهلون، متعلمون، نزيهون، لكنهم بلا ظهر، لا شيخ قبيلة يدعمهم ولا حزب يحتضنهم، كلما حاول أحدهم الاقتراب من المشهد يواجه بعبارة جاهزة "ليس وقتكم بعد"، وكأن وقتهم سيأتي عندما تنتهي المدينة من العمر. 

من يسيطرون ويحكمون على تعز اليوم يعيشون في حالة إنكار جماعي، وجوه فشلت في الحرب، تتسابق اليوم لإدارة السلام، أشخاص لم ينجحوا في تلبية وقفة احتجاجية على أزمة المياه، يريدون أن يقودوا مدينة بحجم تعز! كل واحد منهم يظن نفسه المنقذ، بينما الحقيقة أنهم جميعاً السبب. 

الإعلام المحلي تحول إلى سوق نخاسة، منبرٌ هنا يمدح مقابل راتب، وآخر يشتم مقابل وظيفة، صفحات تمتلئ بالكراهية والتخوين، لا صوت فيها للناس ولا همَّ فيها للوطن، أغلب منابر تعز لم تعد تُدار بعقول صحفيين نزيهين، بل بأوامر من غرف الأحزاب، ومن يجرؤ على قول الحقيقة يُرمى خارج اللعبة، من يجيد التصفيق يُكرم بمنصب إعلامي. 

من يصدق أن في تعز شباباً قادرين على إدارة المدينة أفضل من كل هذه الطبقة السياسية المتعفنة؟ شباب يفكرون خارج الصندوق، يؤمنون بالسلام لا بالشعار، يقدسون العمل لا الولاء، لكن هؤلاء هم الأكثر إقصاء لأنهم ببساطة لا يخافون من أحد، ولا ينحنون لأحد، ولا يرفعون صور أحد. 

الحقيقة أن من يمسكون بالقرار اليوم يخافون من جيل يعرف أكثر منهم، ويفكر أبعد منهم، يخافون من العقل أكثر مما يخافون السلاح، لذلك يحاصرون الشباب ويهمشونهم، يطفئون كل مبادرة تحمل رائحة تغيير. 

في تعز اليوم الكرسي أهم من الكفاءة، البيان أهم من الفعل، الصورة أهم من الخدمة، كل طرف يرفع شعار المدينة لنا، بينما المدينة تضيع بين أقدامهم. 

في ختام هذا المقال، أوجه رسالة واضحة لبعض سادة السياسة والإعلام: كفوا عن بيع تعز في أسواق الولاء، عن تقاسم الخراب، فأنتم لم تتركوا شيئاً إلا لوثتموه، الحرب لوثتموها، الإعلام لوثتموه، حتى الحلم لوثتموه. 

تعز لا تنتظر منكم بياناً جديداً، ولا مؤتمراً صحفياً مليئاً بالكذب، هي فقط تنتظر لحظة واحدة من الشجاعة، أن تغادروا المشهد وتفسحوا المجال لمن يستحق. فالشباب الذين همشوا اليوم، سيعودون غداً ليعيدوا رسم وجه المدينة من الصفر، وسيكتب التاريخ أن من دمر تعز لم يكن العدو الخارجي، بل من سرق صوتها باسم النضال، وأضاع مستقبلها باسم الحزب.