مَن الذي ربى الوحش؟

08 أكتوبر 2025
michealsamir405@gmail.com
مايكل سمير
تابع الكاتب عبر :

عندما كانت شمس الإمبراطورية البريطانية تغرب ببطء عن الشرق، أدركت لندن أن السيطرة لا تُحفظ بالجنود وحدهم، بل بالأفكار. فالفكر، كما التاريخ، يمكن أن يكون أداةً استعمارية طويلة المدى. في عام 1941، تكشف وثائق الأرشيف الوطني البريطاني (National Archives UK, KV 2/1833) عن واقعة صغيرة في ظاهرها، لكنها شديدة الدلالة؛ إذ تلقى حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، مبلغ 500 جنيه مصري من ضابط اتصال بريطاني يُدعى جريفيث، تحت غطاء دعم "أنشطة اجتماعية وتربوية"، لكنها لم تكن سوى خطوة أولى في مشروع أكبر  يراد له أن يخلق تياراً دينياً يمكن توجيهه سياسياً، وأن يكون جداراً في وجه المد القومي والشيوعي في المنطقة.

في ذلك الوقت، كان مبلغ 500 جنيه رقماً ضخماً، يعادل اليوم نحو 20 ألف دولار. كانت اليد التي تمتد بالعون تبدو خيرية في ظاهرها، لكن نواياها كانت واضحة: صناعة تنظيم يُستخدم عند الحاجة. منذ تلك اللحظة، وُلد كيان لم يكن دعوياً بقدر ما كان وظيفياً؛ وُلدت جماعة، لا لتبشر بالإيمان، بل لتؤدي دوراً في صراع القوى الكبرى. فمن لندن إلى واشنطن كما يوضح الكاتب روبرت دريفوس في كتابه (Devil’s Game: How the United States Helped Unleash Fundamentalist Islam)، بريطانيا زرعت ثم جاءت الولايات المتحدة لتسقي البذرة نفسها. 

في زمن الحرب الباردة، رأت واشنطن في "الإسلام السياسي" سلاحاً فعالاً لمواجهة الاتحاد السوفياتي، حيث كانت أفغانستان المسرح الأمثل. بحسب ما وثّقه الصحافي الباكستاني أحمد رشيد في كتابه ( Taliban: Militant Islam, Oil and Fundamentalism in Central Asia) ضُخت مليارات الدولارات الأميركية عبر المخابرات الباكستانية (ISI) لتدريب وتسليح المقاتلين الذين أُطلق عليهم اسم "المجاهدين". ووفقاً لتقديرات استخبارتية، أنفقت وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) أكثر من 3 مليارات دولار في عملية "الإعصار"، واحدة من أطول وأغلى العمليات السرية خلال الحرب الباردة. في تلك السنوات، وقف مستشار الأمن القومي الأميركي زبيغنيو بريجينسكي أمام المقاتلين في باكستان عام 1980 قائلاً: “أنتم تقفون على أرض مقدسة، وسينتصر نضالكم على القوى العظمى.” 

كانت الكلمات تحمل رمزية واضحة: واشنطن لا ترى في هؤلاء سوى أداة لهزيمة موسكو لا أكثر. ولم يكن أسامة بن لادن ولا رفاقه آنذاك "إرهابيين" في نظر الغرب، بل مناضلين ضد الشيوعية، يتحركون بجوازات سفر رسمية، ويمولون بسخاء. ومع سقوط الاتحاد السوفياتي انتهت المهمة لكن الوحش لم يمت. فمن أفغانستان إلى البلقان والعراق بعد الحرب الباردة، تحوّل التيار الجهادي إلى أداة جديدة، استخدمها الغرب حينا وتجاهلها حينا آخر. 

في البوسنة كما كشفت صحيفة The Guardian في أبريل (نيسان) 2002، كانت أجهزة الاستخبارات البريطانية والأميركية على علم بتدفق مقاتلين عرب إلى هناك لكن لم تتدخل؛ فقد كانوا "مفيدين" في تلك المرحلة. ثم جاء الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، فكانت الكارثة الكبرى. فتح الغزو الباب أمام ولادة تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين" على يد أبي مصعب الزرقاوي، الذي تطورت جماعته لاحقاً إلى ما عرف باسم "داعش". 

تؤكد وثائق وزارة الدفاع الأميركية التي كشفتها مؤسسة (Judicial Watch) عام 2015، أن واشنطن كانت على علم مبكر بصعود هذا التيار، بل رأت فيه "ورقة ضغط" على النظام السوري والإيرانيين. وفي ليبيا تكرّر المشهد وتُركت البلاد فريسة للفوضى بعد إسقاط نظام القذافي عام 2011، أقر تقرير لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني عام 2016 بأن التدخل العسكري استند إلى "معلومات استخباراتية غير دقيقة" وأدى إلى تفشي الجماعات المسلحة. 

في مصر، حين خرج الملايين في 30 يونيو (حزيران) ليستعيدوا وطنهم من براثن الجماعة التي خرجت من عباءة هذا التاريخ، كان الإرهاب قد تمدد في الشوارع والقرى، والدماء تسيل على الأرصفة. لم يكن الغرب يراها، بل رأى فقط أن مصر "انقلبت" على الديمقراطية، بينما الحقيقة أن الشعب هو من انتفض ضدّ الخداع. 

مارس الغرب ضغطاً سياسياً واقتصادياً، وأداروا ظهورهم للإرهاب الذي أكل أبناء هذا الوطن. لكن المصريين الذين أنهكهم الدم لم يستسلموا، قاوموا وصمدوا حتى بدأت البلاد تستعيد أنفاسها من جديد. ذلك المشهد، كما لو أنه خلاصة القصة كلها: الوحش الذي صنعوه هناك وجدناه هنا بيننا. لكننا، بخلافهم، لم نهرب منه؛ واجهناه. 

في كل هذه المحطات، كان الغرب ينظر إلى الوحش من بعيد، ظناً بأنه سيظل مطيعاً ويسير حيث يشاؤون، لكن الوحش لا يعرف الولاء ولا يمكن ترويضه طويلاً. عندما انقلب عليهم في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، واصطدمت الطائرات بناطحات نيويورك، تساءلوا بدهشة مصطنعة: "من هؤلاء؟ ولماذا يكرهوننا؟" لكنهم كانوا يعرفون الجواب جيداً، لقد ربّوا الوحش بأيديهم، غذّوه بالأموال والسلاح والأفكار، ثم أرسلوه إلى صدور شعوبنا، واليوم حين يعود ليعضّ صانعه يتظاهرون بالمفاجأة. 

لا أحد ينجو من نتائج ما يزرع. من يستخدم التطرف أداةً للسيطرة، عليه أن يتوقع يوماً أن ينقلب عليه. النار التي تُشعل في ديار الآخرين لا تبقى بعيدة إلى الأبد، والظلم لا يظل في جهة واحدة من التاريخ. إن عدالة الكون بطيئة، لكنها تعرف طريقها دائماً. ومن ربّى الوحش، عليه أن يتحمّل صدى صوته حين يزأر.