هل الديمقراطية مجرد خيال؟
الديمقراطية قيمة إنسانية تاريخية وعالمية قبل أن تكون قيمة غربية. فجذور فكرة المساواة الجوهرية بين الناس لا تنبع من الجغرافيا الغربية فحسب، بل هي نتاج نضال الإنسان الدؤوب من أجل الحرية والمساواة والحياة الكريمة.
ورغم المكانة البارزة للديمقراطية في أنظمة الحكم الغربية الحديثة، إلا أنه لا ينبغي النظر إليها كقيمة غربية فحسب. عند الحديث عن الديمقراطية، يجب تجنب ثلاثة أخطاء: أولها، عدم إدراكها كقيمة غربية خالصة؛ ثانيها، عدم اعتبارها وهمية أو غير عملية؛ ثالثها، عدم الخلط بين فشل الأنظمة التي تعمل باسم الديمقراطية وفشل فكرة الديمقراطية وقيمتها نفسها.
في الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية، غالبًا ما يعاني الضعفاء فقط، بينما يربح الأقوياء والمحتالون والانتهازيون. في عالم كالشرق الأوسط، لا يرغب الناس في البقاء ضمن هذه الأنظمة ومحاولة إصلاحها؛ بدلاً من ذلك، كلما سنحت لهم الفرصة، يسعون للتخلص منهم والانتقال إلى مكان تُصان فيه الحرية وحقوق الإنسان بشكل أفضل.
يلخص تعريف أبراهام لينكولن الشهير للديمقراطية، "حكومة الشعب، من الشعب، وللشعب"، جوهر الديمقراطية. ويرتبط هذا الفهم ارتباطًا وثيقًا بالحكم الرشيد؛ لأن الحكم الرشيد هو في جوهره هدف توفير حياة كريمة، وحماية الحقوق، وخدمة المصلحة العامة للشعب.
قال ونستون تشرشل: "الديمقراطية أسوأ نظام حكم جُرِّب على الإطلاق". ويقصد بذلك أن الديمقراطية ليست نظامًا مثاليًا، ولكن بالمقارنة مع الخيارات التي جربها الإنسان، لا تزال من أفضل الطرق لإدارة المجتمع.
يرى دايموند ومولينو (2005) أن جودة الديمقراطية لا تُقاس فقط بشكل الانتخابات وإجراءاتها، بل أيضًا بمدى رضا الناس وشعورهم تجاه الديمقراطية. وبهذا المعنى، لا تقتصر الديمقراطية على صناديق الاقتراع فحسب؛ بل تجد معناها الحقيقي عندما يشعر المواطن بأن حقوقه مصونة، وأن صوته مسموع، وأن له دورًا في تحديد مصيره.
بالطبع، تتطلب الديمقراطية مبادئ وشروطًا معينة؛ كانتخابات حرة ونزيهة، واستلام شرعي للسلطة، وانتقال سلمي لها. لكن جوهر الحكم الرشيد يكمن في أن تكون السلطة في خدمة الشعب، لا العكس.
الديمقراطية نظام يحظى بتأييد شعبي واسع، ولكنه في الوقت نفسه لطالما كان موضع جدل. تدّعي أنظمة كثيرة في العالم أنها "ديمقراطية"، لكنها في الواقع تنتهك مبادئ الديمقراطية الأساسية. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال فشل فكرة الديمقراطية نفسها.
تسعى الأنظمة الشمولية الجديدة إلى تدمير القيم الإنسانية والاجتماعية التي تُضفي معنىً على حياة الفرد والمجتمع، وتصف الديمقراطية وحقوق الإنسان أحيانًا بأنها "زائفة" و"وهمية". لكن يبقى السؤال: إذا كانت السلطة في خدمة الشعب فقط، فلماذا يراكم كل هؤلاء الحكام كل هذه الثروات ويتمسكون بسلطتهم بشدة؟
الديمقراطية قيمة إنسانية ونظام عالمي؛ لها بنيتها وشروطها الخاصة. هي ليست كذبة، ولم يُعثر على بديل حقيقي لها، فالتطور والتكنولوجيا والحرية التي تُوصف أحيانًا بـ"الفوضى" ليست بدائل للديمقراطية التي هي حقٌ للشعب؛ والملكية العامة حقٌ للشعب؛ وحماية هذه الثروة جزءٌ أساسي من الديمقراطية الحقيقية.
الديمقراطية ليست سرابًا. من يحاول تصويرها في أذهان الناس على أنها مستحيلة، لا يُعيد إليهم فكرةً فحسب، بل يسعى إلى سلبهم الأمل والحرية والثروة.