أين أموت بعيدا عن عدسات الهواتف الذكية؟

22 August 2026
hejerabidi3@gmail.com
هاجر أحمد عبيدي
تابع الكاتب عبر :

"وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير.." لا شك في أن كل من يقرأ العنوان سيستحضر هذه الآية القرآنية من سورة لقمان التي يؤكد فيها الله عز وجل أن أوان ومكان الموت في علم الغيب لا يعلمهما سواه. لكن في الحقيقة العنوان بعيد كل البعد عن هذا، فهي  محاولة لتسليط الضوء على حيرة إنسان على يقين تام بحتمية الموت وفناء الجسد الذي يريده أن ينتقل من الحياة الدنيا إلى حياة البرزخ في سلام بعيدا عن عدسات الهواتف الذكية وعن منصات التواصل الفضولية. 

نعم هوس "التوثيق" بلغ منتهاه حتى أن حالات الموت ولحظات الاحتضار أصبحت توثق بالصور والفيديوهات ولا يقتصر الأمر فقط على التوثيق بل تنشر على منصات التواصل الاجتماعي وتحظى بتفاعلات كبيرة من الجمهور ولعل هذا التفاعل قد ساهم في تفاقم هذه الظاهرة وتفشيها خاصة وأن أغلب رواد هذه المواقع لا هدف لهم سوى جمع أكبر عدد ممكن من الإعجاب والتعليقات.

لاحظنا في السنوات الأخيرة أن الحوادث المميتة والفواجع أصبحت "مادة دسمة" تغذي منصات التواصل الاجتماعي، فحوادث الطرقات مثلا على بشاعتها يتم تصويرها وحتى بثها مباشرة على هذه المواقع من قبل الحاضرين وعوض إسعاف المتضررين أو إسدال ما توفر من أقمشة لمواراة الجثث يهرع الجميع الى التصوير والتنزيل دون أي احترام لحرمة الجسد ودون موافقة المتضرر وكذلك دون أدنى تفكير في مشاعر أهل المصاب أو المتوفى الذين سيتضاعف حزنهم ومصابهم لمشاهدة ذويهم مضجرون بالدماء وفي نزعهم الأخير.

ولسائل أن يسأل ما فائدة توثيق ونشر لحظات قاسية ومأساوية لا يمكن لقلب عاقل تحمل رؤيتها؟ هل الأشلاء المتناثرة والدماء السائلة والجثث الهامدة أضحت مشاهد تجلب متصفحي المواقع الاجتماعية؟ هل تم التعود والتأقلم مع مشاهدة الحوادث الصادمة والمفجعة؟

العديد من الأسئلة تطرح نفسها أمام هذه الظاهرة المستجدة التي تحيلنا يقينا على أننا إزاء أزمة تطبيع مع مشاهد الموت والمعاناة التي خلفها الاستهلاك الرقمي الكثيف لمثل هذه الوقائع الصادمة، ولا تقتصر الأزمة فقط على التطبيع فنحن أيضا أمام أزمة أخلاقية تتمثل في تشيئ معاناة الضحايا وعائلاتهم وانتهاك خصوصية المتضررين دون أدنى احترام لحقوقهم وكرامتهم.

ولعل تواتر هذا النوع من المقاطع على منصات التواصل أحدث نوعا من التبلد العاطفي لدى فئة كبيرة من رواد المواقع الاجتماعية بينما يدفع الفضول البعض الآخر للتفاعل مع الحوادث المفجعة.

هي ظاهرة اجتاحت جل دول العالم حتى انك وأنت تتصفح مواقع التواصل تعترضك فيديوهات وصور من هذا النوع من كل البلدان وعليها ملايين التفاعلات وهو ما يستوجب قرارات رادعة حازمة لضمان حرمة وكرامة الإنسان في كل مكان وفي أي ظروف.

أمام تفاقم هذا السلوك المجتمعي المقلق ومع غياب رقابة حقيقية تحد من هذا النزيف تنامت مخاوف العديد من أن يكونوا في يوم من الأيام مادة تستهلك في المواقع الاجتماعية لكن لسائل أن يسأل؛ هل يسلم من يزوره المرض أو الموت في منزله من عدسات الهواتف الذكية؟

قطعا لا .. هاجس التوثيق والنشر يطارد حتى من ينازع الموت وراء أبواب موصده، ولقد شاهدنا ووثقنا مؤخرا تعمد بعض العائلات تصوير لحظات الاحتضار لذويهم ونمتنع طبعا عن إعادة نشر مقاطع الفيديو لعدم المساهمة في انتشارها اكثر وإيمانا منا بأن مثل هذه الممارسات غير أخلاقية ولا تحفظ كرامة الفرد.

وتختلف الغايات من نشر لحظات الاحتضار أو الموت من شخص لآخر فالبعض ينشر مثل هذه الفيديوهات ليقيم الحجة على من تسبب في الوفاة مثلا اعتداء أو نقص دواء أو عدم توفر أكسجين وغيره، والبعض الآخر ينشر مثل هذه الفيديوهات مصحوبة بتعليقات على غرار "حسن الخاتمة" لكن مهما تعددت واختلفت الأسباب تظل هذه الممارسات مرفوضة واعتداء صارخ على حرمة وكرامة الإنسان.

في بحث سريع لاحظنا أن مرحلة الاحتضار تحظى بقدسية كبيرة في جميع الديانات السماوية وحتى الأرضية، فينصح بمعاملة الشخص الذي يحتضر بالرفق وتوفير الهدوء وستر العورة وغيرها من الطقوس التي وإن اختلفت مرجعيتها فجميعها تصب في خانة توفير الدعم الروحي لشخص في أصعب مرحلة في حياته.