أريد أن أصبح يوتيوبر

16 August 2026
awwad.jafari@gmail.com
عواد الجعفري
تابع الكاتب عبر :

لعقود من الزمن ساد تصور اجتماعي محدد عن المهن يبدأ بسؤال الأطفال عن المجال الذي يرغبون بدراسته والبروز فيه عندما يكبرون. بعضهم لا ينتظر إجابة الأطفال فيسارع للقول: محام، ومهندس، وطبيب. الأمر يتكرر ثانية في مرحلة لاحقة، إذ تظهر هذه المهن أمام خريجي الثانوية العامة باعتبارها "وظائف مرموقة"، وفي الأعمال الدرامية، أسهب الممثلون في الحديث عن هذه المهن بوصفها السبيل للمكانة الاجتماعية والاستقرار المعيشي.

لقد ساهم التعليم والإعلام وحديث الناس في جعل "كليشيه" (محام، ومهندس وطبيب) شائعاً، رغم أن ميادين العمل أوسع من ذلك بكثير، ورغم أن مياه كثيرة جرت في نهر الحياة، فالتكنولوجيا غيرت كل شيء.

لماذا أقول هذا الكلام أصلاً؟ لقد فاجأني ابني عندما قال لي: "يا أبي أريد أن أصبح يوتيوبر". كان حديثاً مفاجئاً صراحة، فهو صغير السن. كنت أعتقد أنه يشاهد الإنترنت للتسلية فقط ومن الصعب أن يتطرق المحتوى الذي يشهد لهذه المحطة التي تبدو بعيدة، ومن غير المرجح أن سؤالاً عن المستقبل المهني قد طرح عليه في المدرسة.

عندما أطرقت قليلاً أفكر في المسألة، وجدت كلام ابني يظهر أن "السوشيال ميديا" لم تعد مجرد تسلية بل وصلت إلى مرحلة إعادة تشكيل الأفكار أو على الأقل منافسة المؤسسات التقليدية التي كانت تضطلع بهذا الدور. شبكات التواصل تمكنت من إعادة تشكيل الأفكار على الأقل في سياق نظر الأطفال إلى المستقبل المهني، وفق تجربتي مع ابني، وقد يكون من الممكن القياس على ذلك في جوانب أخرى من تشكيل أفكار الأجيال الجديدة. كانت المدرسة ثم وسائل الإعلام التقليدية تتولى هذا الدور، إلا أن الحال تغير.

أستطيع القول إن شبكات التواصل أصبحت تنافس الحكومات والمؤسسات في مجالات التدريس والترفيه وتشكيل الوعي، فلم يعد الأطفال مثلاً ينتظرون برامج قنوات التلفزة المحلية أو الدولية. انظروا حولكم ودققوا قليلاً فستجدون أطفالاً انجرفوا كما انجرف الكبار وراء شبكات التواصل.

إن فكرة ابني، رغم بساطتها، تظهر اهتماماً بصناعة المحتوى، بما يتجاوز التفكير بمسألة المهنة. ومع أننا لا نعرف ما يحمله المستقبل لنا ولأطفالنا، ومع أن الفكرة بسيطة إلا أن مجرد التفكير بما يواكب التكنولوجيا الحديثة خطوة مهمة، وهو أمر أعتقد أن على كل تخصص جامعي أن يوليه الاهتمام اللازم، إلى جانب المساقات الخاصة بالتخصص نفسه، حتى لا تترك الساحة لآخرين يحتلون المنصات وقد لا يكونون من أصحاب الاختصاص.

إن المقصود بصناعة المحتوى هنا هو المحتوى الذي يركز على حقل بعينه ويواظب صانعه على إمداد الجمهور بوجبات منه على نحو منتظم، إذ إن تلك هي الخطوة الأولى نحو بناء علاقة مع الجمهور والتأثير فيه.

في هذا السياق، يبدو خبر إطلاق جامعة أريزونا الأميركية برنامجاً أكاديمياً خاصاً بصناعة المحتوى أمراً لافتاً يستحق التوقف عنده، إذ إنه سيقدم للطلبة العديد من المهارات من إنتاج الفيديو والبودكاست واستراتيجيات شبكات التواصل حتى تحليل عادات الجمهور. إن ذلك يعني ببساطة أن صناعة المحتوى باتت مجالاً مهنياً وليست مجرد هواية.

على سبيل المثال لا الحصر، ذكرت منصة "يوتيوب" أنها دفعت للمبدعين والفنانين والمؤسسات الإعلامية عام 2025 أكثر من 100 مليار دولار خلال السنوات الأربع الأخيرة. رقم ضخم للغاية، ويبلغ في المتوسط 25 مليار دولار في السنة، وهو رقم يفوق ميزانيات دول، فما بالكم ببقية المنصات؟

إن القوة الدافعة وراء ازدهار صناعة المحتوى هو الوقت الهائل الذي ينفقه الناس على شبكات التواصل والمنصات الرقمية عموماً، فالمعدل العام لمشاهدة شبكات التواصل عالمياً يبلغ 141 دقيقة يومياً، بما في ذلك بلداننا العربية، بحسب موقع "ستاتيستا".

بالنسبة إلى البعض، فإن البارز في ميدان ما هو من يصنع المحتوى في شبكات التواصل، مع أن هذا قد لا يكون صحيحاً. إن التجربة أثبتت أن كثيراً ممن يصنعون المحتوى لا يفعلون سوى "نسخ ولصق"، وكثير ممن يملكون المعرفة يعرضون عن الكاميرا والظهور، وهذا يقود لسؤال مهم: هل المستقبل لمن يعرف، أم لمن يعرف كيف يعرض ما يعرفه؟