الاستثمار في التقنية رياضياً
في كل مشروع رياضي كبير تتكرر لحظة أعرفها جيدًا، يجتمع الجميع حول الطاولة، يبدأ الحديث بحماس عن الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتوأم الرقمي، والتطبيقات، والشاشات التفاعلية. ثم يأتي السؤال المعتاد: “ما التقنية التي نحتاج إلى شرائها؟ ورغم وجاهة السؤال، إلا أنه في رأيي، السؤال الخطأ والصحيح، ما الذي نريد تحسينه؟ قد يبدو الفرق بسيطًا، لكنه الفرق بين مشروع يضيف أجهزة جديدة ومشروع يصنع قيمة جديدة.
إن المؤسسات التي تربط استثماراتها الرقمية بأهداف أعمال واضحة تحقق نتائج أفضل في الكفاءة التشغيلية، ورضا العملاء، والعائد على الاستثمار، مقارنة بالمؤسسات التي تنطلق من التقنية نفسها ثم تبحث لاحقًا عن استخدامها.
لسنوات، تعاملت كثير من المنشآت الرياضية مع التقنية باعتبارها غاية. فإذا ظهرت منصة جديدة، سارعوا إلى شرائها. وإذا انتشرت تقنية حديثة، بدأوا في البحث عن مكان لتركيبها. لكن الحقيقة مختلفة. التقنية لا تحل المشكلات، إنها تكشف طريقة تفكير المؤسسة في حلها. ولهذا، فإن نجاح أي ملعب ذكي لا يبدأ في غرفة الخوادم، بل في غرفة الاجتماعات.
من خلال عملي في مشاريع تطوير المنشآت الرياضية، وجدت أن أي نقاش ناجح حول التقنية يمكن أن يبدأ بثلاثة أسئلة فقط، الأول ما القرار الذي نحاول تحسينه؟ إذا كانت الإجابة غير واضحة، فمن المرجح أن الاستثمار نفسه غير واضح. هل نريد تقليل الازدحام، رفع رضا الجمهور، زيادة الإنفاق داخل الملعب، تحسين الأمن، تسريع التشغيل؟ لكل هدف تقنية مختلفة، لكن التقنية لا ينبغي أن تحدد الهدف؛ بل الهدف هو الذي يحدد التقنية.
السؤال الثاني هو هل نملك البيانات التي تفسر المشكلة؟ فكثير من المؤسسات تجمع كميات هائلة من البيانات، لكنها لا تجمع البيانات التي تحتاجها فعلاً. فالازدحام عند البوابات، على سبيل المثال، قد لا يكون سببه نقص البوابات، بل وصول أغلب الجماهير في الدقائق الأخيرة قبل بداية المباراة. ولو اكتفت الإدارة بإضافة بوابات جديدة، فستكون قد عالجت العرض، لا السبب. أما إذا فهمت السلوك أولا، فقد يكون الحل في إعادة تصميم رحلة المشجع، أو تحفيز الوصول المبكر، أو توزيع الخدمات بطريقة مختلفة. وهنا تتحول البيانات من سجل للماضي إلى أداة لصناعة المستقبل.
السؤال الثالث هو كيف سنقيس نجاح القرار؟ فأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يُقاس نجاح المشروع بعدد الأنظمة التي تم تركيبها، النجاح الحقيقي يُقاس بانخفاض زمن الانتظار، وارتفاع رضا الجمهور، وتحسن الإيرادات، وسهولة التشغيل. فالمنشآت الرياضية لا تحتاج إلى مزيد من الشاشات، بقدر حاجتها إلى مؤشرات أداء تُثبت أن الاستثمار أحدث
حين يدخل المشجع إلى الملعب، يبدأ في ترك عشرات الإشارات التي لا يلاحظها. وقت وصوله، مدة انتظاره، طريقة تنقله، مشترياته، المناطق التي ازدحم فيها، الأماكن التي غادرها سريعًا. هذه ليست بيانات تقنية، إنها قصة يرويها الجمهور بصمت. والمؤسسات الناجحة هي التي تتعلم الإصغاء إلى هذا الصمت.
تشير تقارير متخصصة إلى أن استخدام التوائم الرقمية وربط الأنظمة التشغيلية يساعد على تحسين رحلة المشجع وتقليل الاحتكاك داخل المنشآت الرياضية، بينما تؤكد أخرى أن التكنولوجيا تحقق قيمتها الحقيقية عندما تُستخدم لتحسين تجربة الجماهير ودعم القرارات، لا لمجرد مواكبة أحدث الاتجاهات.
في هذا السياق، تعيش المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر موجات التحول الرياضي في العالم. فما نشهده ليس بناء ملاعب جديدة فحسب، بل بناء فلسفة جديدة لإدارة الرياضة، واستضافة الأحداث العالمية، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار في التقنية، وتمكين القطاع الخاص، وكلها مؤشرات على أن الرياضة أصبحت جزءًا من رؤية اقتصادية واجتماعية أوسع، كما تؤكد مستهدفات رؤية السعودية . 2030 هذا يمنحنا فرصة نادرة، فنحن لا نملك فقط فرصة لبناء أحدث الملاعب، بل فرصة لبناء أذكى طريقة لإدارتها.
إن الدول التي تبدأ من التكنولوجيا قد تمتلك ملاعب متقدمة، أما الدول التي تبدأ من الإنسان، ثم تبني التقنية حول احتياجاته، فهي التي تصنع تجربة تبقى في الذاكرة. ربما لن يتذكر المشجع نوع الكاميرات التي كانت في الملعب، ولا الشركة التي صممت شبكة الاتصالات،
ولا المنصة التي أدارت التذاكر، لكنه سيتذكر شيئًا واحدًا فقط: هل كانت التجربة تستحق أن يعيشها مرة أخرى؟
ذلك السؤال البسيط هو في الحقيقة المعيار الذي يجب أن تُقاس به جميع الاستثمارات التقنية، فالملعب الذكي ليس هو الذي يمتلك أكبر عدد من الأنظمة، بل هو الذي يتخذ القرار الصحيح قبل أن يشتري النظام المناسب.