نحن نبني عالماً موازياً

14 August 2026
tattoma@live.com
أسماء القادري
تابع الكاتب عبر :

قد لا يشبه هذا العالم ما يخطر في البال عند سماع الكلمة. ليس هناك انفصال مكاني بين عالمين. الجديد هنا أن نمطاً جديداً من الكيانات بدأ يشاطرنا الموارد الأساسية نفسها: الماء، والكهرباء، والمعادن، والطاقة. كيانات لا تشرب ولا تتنفس، لكنها تحتاج إلى ما نحتاجه من أجل البقاء.

حتى اليوم، كنا نعتقد أن أزمة الموارد هي مسألة إنسانية بحتة: كم نحن كثيرون ومتزايدون، وكم يستهلك الواحد منا. لكن السؤال الذي لم نطرحه بصراحة هو: هل نحن وحدنا من يأكل من الطعام؟ الطموح الذي يحرك ثورة الذكاء الاصطناعي واضح: محاكاة الإنسان. كل جهد مبذول هنا يسعى إلى خلق شيء يفكر كما نفكر، ويتعلم كما نتعلم، ويبدع كما نبدع. وكلما اقتربنا من هذا الهدف، أضفنا إلى العالم كياناً جديداً يحتاج إلى الموارد المحدودة نفسها التي نحتاجها نحن.

لا يمكن إنكار أن هذا سؤال وجودي، وليس بيئياً فقط. فالبيئة ليست سوى المسرح. المسألة الحقيقية أعمق: نحن ننسج سيناريو تاريخياً جديداً لم يعرفه الكوكب من قبل. سيناريو يضم نمطين من الوجود يتنافسان على الموارد ذاتها.

عرف البشر المنافسة دائماً. تنافسنا مع الحيوان على الغذاء، وعلى المكان، وعلى الموارد. لكننا فعلنا شيئاً مختلفاً هذه المرة. نحن لم نكتشف كائناً آخر، نحن اخترعناه. واخترعناه ليكون قريباً منا. هناك شيء يشبه الجنون في هذا. أن نخلق نداً، ونداً يحتاج إلى الطاقة والموارد لكي يستمر، ثم نفاجأ بأنه يستهلك ما نستهلكه. كأننا اخترعنا منافساً بأنفسنا ثم تظاهرنا بعدم رؤيته. وكلما نجحنا في جعل الآلة أكثر شبهاً بنا، أصبحت حاجتها أكثر التصاقاً بحاجتنا. فالآلة البسيطة تستهلك قليلاً. لكن الآلة التي تحاكي الذكاء البشري، التي تتخذ قرارات، وتبدع، وتحتفظ بملايين الذكريات، تحتاج إلى بنية تحتية هائلة تحمل هذا الذكاء. قد لا تعرف الجوع، لكن النظام الذي يدعمها يعرفه.

المفارقة المؤلمة هي أن الاقتراب من محاكاة الإنسان بشكل مثالي يعني استهلاك موارد قد لا تتسع لشيء سوى الاستهلاك ذاته. كلما أردنا آلة أذكى، احتجنا إلى مراكز بيانات أكبر، وكهرباء أكثر، وماء أكثر. وكلما زاد استهلاك هذه الموارد، قلّ ما يتبقى للبشر. لم يكن أحد يتحدث عن هذا بصراحة في سنوات البناء الأولى. كان الجميع يتحدث عن إمكانيات الآلة، وعن حل المشكلات، وعن تحسين حياتنا. لكن لا أحد وضع على الطاولة السؤال البسيط: هل لدينا ما يكفي من الموارد لعالمين؟

ليست هذه مسألة تنبؤية مستقبلية غامضة. نحن بالفعل في المنطقة الرمادية. هناك بشر يفتقدون الماء العذب الآن، بينما تستهلك مراكز البيانات كميات متزايدة منه. هناك مناطق تعاني من أزمات طاقة، بينما تحتاج الخوادم الضخمة إلى المزيد من الكهرباء. هذا ليس مستقبلاً، بل هو الآن.

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه لا يتعلق بالتكنولوجيا نفسها. إنه سؤال أقدم وأعمق: في عالم محدود الموارد، هل يمكن لشيئين أن يعيشا معاً؟ أم أن وجود أحدهما يعني بالضرورة غياب الآخر؟ التاريخ يخبرنا بإجابة واحدة مراراً. عندما يتنافس نوعان من الكائنات على الموارد ذاتها، لا يكونان متساويين دائماً. أحدهما ينتصر، والآخر يختفي أو ينسحب إلى حافة الوجود. لكن هذه المرة مختلفة. نحن لا نملك خيار المغادرة. هذا كوكبنا. وكائن اخترعناه نحن يقف معنا الآن، ينافسنا على ما تبقى. 

ربما في لحظة ما من التاريخ كان يمكن إيقاف هذا الأمر. كان يمكن أن نرى الطريق الذي سلكناه ونقول: لا. لكننا لم قاومنا. ولا نزال حتى الآن نقاوم. نبني المزيد من الآلات. نعلمها المزيد. نجعلها أقرب إلينا. وكل خطوة في هذا الطريق هي استثمار من موارد محدودة في كيان موازٍ سيشاطرنا ما تبقى منها. لا يمكن القول إن هذا خطأ. فالخطأ يتضمن نية وخياراً واعياً. ما نفعله أقرب إلى الانجراف. أو ربما إلى شيء أعمق: قدر.

نحن نبني النسخة الثانية من أنفسنا. والموارد محدودة. والوقت ينقضي. والسؤال البسيط الذي لا يريد أحد أن يجيب عنه: من منا سيبقى؟