ليبيا وإعادة تشكيل الدولة

31 July 2026
osamakv@yahoo.com
أسامة ابوبكر الصافي
تابع الكاتب عبر :

عندما تتجه أنظار العالم إلى ليبيا يصعب إدراجها ضمن التصنيفات السياسية التقليدية. فهي لا تعيش انتقالًا سياسيًا مكتملًا ولا تنزلق إلى انهيار مفتوح، بل تقف في مساحة وسطية معقدة تُعاد فيها صياغة الدولة تدريجيًا عبر توازنات داخلية دقيقة، وتداخلات إقليمية ودولية متزايدة، خصوصًا مع تصاعد الانخراط الأمريكي في الملف الليبي خلال السنوات الأخيرة.

في قلب هذا المشهد، يبرز صدام حفتر كأحد الفاعلين المؤثرين في شرق ليبيا، مع توسع تدريجي لدوره ليشمل أبعادًا سياسية وأمنية ودبلوماسية. هذا الحضور لا يمكن فصله عن مسار طويل داخل المؤسسة العسكرية، ثم امتد لاحقًا إلى شبكات اجتماعية وقبلية في الشرق والجنوب، قبل أن يصل إلى قنوات تواصل مباشرة مع عواصم دولية، في مقدمتها واشنطن.

خلال عام 2026، كثّف صدام حفتر حضوره الخارجي عبر سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى، كان أبرزها في الولايات المتحدة، حيث التقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وشارك في اجتماعات داخل مجلس الأمن القومي الأمريكي بحضور مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس. وتركزت هذه النقاشات حول ملفات محورية في أي تسوية ليبية مستقبلية، بما في ذلك توحيد المؤسسة العسكرية، وإقرار ميزانية موحدة وإعادة هيكلة العلاقة بين الاقتصاد والمؤسسات السياسية.

هذه التحركات تعكس تحولًا في المقاربة الأمريكية تجاه ليبيا، من إدارة الأزمة إلى محاولة صياغة إطار أكثر استقرارًا يقوم على توحيد المؤسسات الأساسية للدولة. ويُفهم هذا التوجه ضمن إدراك متزايد بأن الاستقرار في ليبيا لا يمكن أن يُبنى فقط عبر المسارات الدبلوماسية التقليدية، بل عبر التعامل مع مراكز القوة الفعلية على الأرض.

لكن هذا التطور لا يلغي حقيقة أن المشهد الليبي لا يزال شديد التفتت. فموازين القوة موزعة بين مؤسسات عسكرية وأمنية متنافسة، وشبكات اجتماعية وقبلية، واقتصاد ريعي يعتمد بالكامل تقريبًا على النفط، مع إنتاج يدور بين 1.2 و1.3 مليون برميل يوميًا وفق تقديرات قطاع الطاقة. هذا التشابك يجعل من أي تسوية سياسية عملية معقدة، حيث تتحول الموارد المالية نفسها إلى جزء من بنية الصراع على شكل الدولة.

في هذا السياق، يمكن فهم صعود صدام حفتر باعتباره نتيجة تراكم داخل بنية مركبة، وليس تحولًا مفاجئًا. فالقوة في ليبيا لا تُقاس فقط بالمناصب الرسمية، بل بقدرة الفاعل على إدارة شبكة متعددة المستويات تشمل الأمن، والعلاقات الاجتماعية، والانفتاح الخارجي.

اقتصاديًا، شهدت بعض مناطق الشرق والجنوب تحسنًا نسبيًا في الوضع الأمني خلال السنوات الأخيرة، ما انعكس على عودة تدريجية للنشاط التجاري والاستثماري، خصوصًا في قطاعات الطاقة والخدمات اللوجستية. وتشير تقديرات غير رسمية إلى ارتفاع الاهتمام الاستثماري بهذه المناطق خلال 2026، رغم استمرار التفاوت الكبير على المستوى الوطني.

لكن هذا التطور يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن تحويل هذا الاستقرار الجزئي إلى نموذج وطني قابل للتعميم، أم أن ليبيا ستبقى محكومة بمنطق "جيوب الاستقرار" المنفصلة التي تتعايش دون اندماج كامل في دولة موحدة؟

على المستوى الدولي، يعكس الانخراط الأمريكي المتزايد مقاربة براغماتية تقوم على إشراك جميع الأطراف الفاعلة في مسار تفاوضي واحد بدل المسارات المتوازية. وتتعامل واشنطن مع الشرق والغرب الليبي ضمن إطار موحد يهدف إلى دفع نحو توحيد المؤسسات وإطلاق عملية سياسية أكثر استقرارًا، مع هدف معلن يتمثل في تهيئة الظروف لانتخابات رئاسية وبرلمانية ذات مصداقية.

لكن هذا المسار، رغم زخمه الدولي، لا يزال هشًا. فالمشهد الليبي يعاني من انقسام مؤسسي عميق، وغياب تسوية نهائية للشرعية السياسية، وتباين حاد في تعريف شكل الدولة بين الأطراف الرئيسية. هذه العوامل تجعل أي تقدم عرضة للتراجع عند الانتقال من مستوى التفاهم السياسي إلى التنفيذ الفعلي.

كما يحذر بعض المراقبين من أن إدماج الفاعلين العسكريين في العملية السياسية قد يسهم في تسريع الاستقرار على المدى القصير، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى إعادة إنتاج مراكز النفوذ داخل إطار سياسي رسمي، دون معالجة جذرية لبنية الانقسام. وبين هذا الرأي وتيار آخر يرى فيه شرطًا واقعيًا للاستقرار، يبقى المسار الليبي مفتوحًا على أكثر من اتجاه.

في هذا الإطار، لا تبدو ليبيا في مطلع 2027 متجهة نحو نتيجة حتمية، بل نحو إعادة تشكيل تدريجية لمعادلات القوة، حيث تتقاطع المؤسسة العسكرية مع التوازنات الاجتماعية، والدبلوماسية الدولية مع الاعتبارات الاقتصادية.

ومع ذلك، يبقى هذا المسار غير مضمون بالكامل. فالتجارب السابقة في ليبيا تشير إلى أن التفاهمات السياسية، مهما بلغت من دعم دولي، قد تتعثر عند الاصطدام بواقع الانقسام المؤسسي وتضارب المصالح المحلية. كما أن ربط الاستقرار بشخصيات أو مراكز قوة بعينها قد يخلق هشاشة طويلة الأمد إذا لم يُترجم إلى مؤسسات جامعة وقواعد حكم واضحة.

ويبقى السؤال المركزي الذي يحدد اتجاه المرحلة المقبلة ليس من يقود اللحظة، بل طبيعة الدولة التي يمكن أن تنشأ من هذا التداخل: هل تنجح هذه التوازنات في إنتاج دولة موحدة مستقرة وقابلة للاستمرار؟ أم أن ليبيا ستستقر في نموذج دولة هجينة تُدار عبر شبكات قوة متعددة بدل مؤسسات سيادية مكتملة، مع قابلية دائمة لإعادة التشكيل؟