فرص مصر الضائعة في أزمة الصناعة الأوروبية

30 July 2026
mr@rageh.de
محمود راجح
تابع الكاتب عبر :

بينما تنشغل أوروبا بإعادة هيكلة قطاعها الصناعي، تنشغل كثير من الدول بالبحث عن الفرص التي تخلقها هذه التحولات. أما في مصر، فما زال التركيز ينصب غالبًا على جذب استثمارات جديدة، في حين تغيب فرصة أخرى لا تقل أهمية: استقطاب المصانع وخطوط الإنتاج التي تغادر أوروبا.

شهدت السنوات الأخيرة ضغوطًا غير مسبوقة على الصناعة الأوروبية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وتشديد المعايير البيئية، واشتداد المنافسة العالمية، إضافة إلى تغيرات سلاسل التوريد. وأجبرت هذه الظروف شركات عديدة على إغلاق مصانع أو تقليص إنتاجها أو نقل جزء من عملياتها إلى دول أقل تكلفة.

في مثل هذه الحالات، لا تتحول المصانع إلى خردة بالضرورة، بل تبقى أصولًا صناعية ذات قيمة كبيرة. معدات إنتاج، وخطوط تصنيع، وأنظمة تحكم، وخبرات تشغيل، يمكن أن تبدأ حياة جديدة في دولة أخرى تمتلك بيئة أكثر تنافسية.

الصين أدركت هذه الحقيقة مبكرًا، فاستوردت خلال العقود الماضية مصانع كاملة من أوروبا، ثم أعادت تركيبها وتشغيلها. والهند سلكت الطريق نفسه في عدد من القطاعات الصناعية، لتختصر سنوات من الاستثمار في بناء مصانع جديدة من الصفر.

أما في مصر، فغالبًا ما يتم انتظار المستثمر حتى يشتري الأرض، ويبني المصنع، ويستورد المعدات، ويدرب العمالة، وهي عملية قد تستغرق سنوات. بينما قد يكون نقل مصنع قائم أقل تكلفة، وأسرع تنفيذًا، وأكثر فائدة في نقل التكنولوجيا والخبرة.

لكن المشكلة ليست في نقص الإمكانات، بل في غياب آلية مؤسسية تتابع هذه الفرص قبل أن تذهب إلى دول أخرى. الحل ليس معقدًا، ولا يحتاج إلى استثمارات حكومية ضخمة.

يمكن للحكومة إنشاء "وحدة وطنية لاستقطاب المصانع المنقولة" تضم ممثلين من وزارات الصناعة والاستثمار والتجارة والخارجية، تكون مهمتها متابعة الشركات الأوروبية التي تعلن عن إعادة هيكلة مصانعها أو إغلاقها، والتواصل معها قبل اتخاذ قرارات البيع أو التفكيك.

تعمل هذه الوحدة على إعداد قاعدة بيانات بالمصانع المعروضة للنقل، وتقييم مدى ملاءمتها للاقتصاد المصري، ثم تقديم عروض تتضمن مواقع صناعية جاهزة، وإجراءات سريعة، وحوافز مرتبطة بالتشغيل والتصدير، وليس بمجرد الاستثمار.

كما يمكن إشراك القطاع الخاص المصري في هذه العملية، بحيث لا تتحمل الدولة تكلفة شراء المصانع، وإنما تقتصر مهمتها على التنسيق وتسهيل الإجراءات، بينما يتولى المستثمرون المحليون أو العرب عمليات الاستحواذ والتشغيل.

هذا النموذج مطبق بدرجات متفاوتة في عدد من الدول التي تمتلك وكالات متخصصة في جذب الاستثمارات الصناعية، لكنه يركز عادة على إنشاء مصانع جديدة، بينما تحتاج المرحلة الحالية إلى إضافة مهمة جديدة تتمثل في "استقطاب المصانع القائمة" قبل انتقالها إلى أسواق منافسة.

العالم يشهد اليوم واحدة من أكبر عمليات إعادة توزيع الصناعة منذ عقود. والدول التي تتحرك بسرعة لن تربح استثمارًا واحدًا فقط، بل ستربح التكنولوجيا، والخبرة، وسلاسل التوريد، وفرص العمل، والقدرة على التصدير.

إن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا تغلق أوروبا مصانعها، بل هل تمتلك مصر خطة لاقتناص هذه الفرص قبل أن تذهب إلى غيرها؟ فالفرص الصناعية لا تنتظر طويلًا، ومن يتحرك أولًا هو من يحصد المكاسب. أما من يكتفي بالمراقبة، فسيكتشف بعد سنوات أن مصانع كان يمكن أن تعمل على أرضه، أصبحت تنتج في دولة أخرى.