البن ترتيلة الحب والهوية في اليمن
بنُّ اليمن يا درر، يا كنز فوق الشجر من يزرعك ما افتقر، ولا ابتُلي بالهوانِ. بهذه الأبيات الخالدة من ملحمة "الحب والبنّ" للشاعر مطهّر الإرياني، تتجلّى مكانة البن اليمني، ليس كمجرد محصولٍ زراعي، بل كـ "درر" و "كنز" يرفع من يزرعه عن الفقر والهوان. إنها شهادة على أن البنّ في اليمن يتجاوز كونه سلعةً، فهو روح الأرض، وعنوان الكرامة، ورمز الثراء الروحي والمادي الذي يمنحه هذا الكنز الأخضر لأهله.
لم يجد الشاعر اليمني رمزاً أبلغ من البن ليعبّر به عن أسمى المشاعر، فامتزجت رائحة القهوة بأنفاس المحبين، وتلونت حبّاته بلون خدود الغواني. لذلك، في الأدب اليمني، لم يكن البن مجرّد خلفية للقصص، بل بطلها ومحرك أحداثها، متجسداً في أروع القصائد الغنائية التي حفظها الوجدان اليمني. حين غنّى الأنسي ملحمة "الحب والبن" لمطهر الإرياني، لم يكن يروي قصة موسمٍ زراعي فقط، بل كان يستدعي ذاكرة اليمن: الحقول التي سقاها الغيم، والنساء اللواتي التقطن الحبوب كما لو كنّ يلتقطن النجوم من السماء، والأطفال الذين نشأوا على رائحة القهوة كأنها جزء من تنفّسهم. كان صوته وهو يتردّد في الأثير يشبه بخار البنّ وهو يملأ البيت بأسراره، ويوقظ القلب على حنينٍ يشبه العودة إلى حضن الوطن. ولأنها أغنية ارتبطت بفلسفة أمّة كاملة وذاكرتها الوطنية، فقد كانت وما زالت نشيداً خالدا للحبّ والأرض، وروايةً شعريةً تحكي قصة العاشق الريفي الذي واجه غلاء المهر بصبر أيوب، ووعد حبيبته بالعودة مع "موسم البنّ" القادم.
وبعد عامٍ كامل من الكدّ والتعب في حقول البنّ، الذي لم يكن لأجل المال، بل لأجل الوصال، يقول الإرياني: يا حارس البنّ بشرى موسم البنّ داني ما للعصافير سكرى بين خُضَرِ الجِنانِ هل ذاقت الكأسَ الأوّل من رحيق المجّانِ واسترسلت تُطرب الأكوانَ بأحلى الأغاني؟ بهذه الكلمات يربط الإرياني، بعبقريةٍ فذّة، بين جني المحصول وانتصار الأماني، بين العناية بالأرض ويوم القِران الأغرّ، والفوز بالحبيبة، مؤكّدًا ذلك بقوله إن "بشائر أول ثمر" هي بشائر الفرح، وإن لون الياقوت القاني على أغصان البنّ هو لون انتصار الحبّ. وما صبرُ ذلك العاشق "كصبر الحجر في مدرب السيل وأعظم" إلا ليثبت أن من يزرع هذه الشجرة لا يعرف الفقر ولا الهوان، مخلِّداً بذلك ملحمة الارتباط الوثيق بين الإنسان اليمني وأرضه وبنّه، بين الحبّ والبنّ. هذه الصور البلاغية لا تكتفي بالوصف الجمالي، بل تتعدّاه لترفع البنّ إلى مرتبة المقدّس، كأنه هبةٌ إلهية أو بركةٌ سماوية، وهو كذلك في الحقيقة.
قصيدة "الحبّ والبنّ" لمطهر الإرياني لم تكن نصاً ثابتاً، بل كائناً حيًّا يتنفس مع كل ترنيمة، ويُزهر مع كل موسم بنّ. إنها ذاكرة شفوية تُحفَظ في القلوب قبل الأوراق، وتُورَّث كأنها وصية من جدٍّ إلى حفيده: "احفظ البنّ، واحفظ الحبّ، ففيهما عزّك وروحك." وعلى وترٍ آخر، يأتي الشاعر سعيد الشيباني ليجعل من البنّ استعارةً غزلية فريدة في قصيدته "حقول البنّ في خديك موّاله جميل" التي لحنها وغناها الموسيقار أحمد بن أحمد قاسم. هنا تتحول خدود المحبوبة إلى حقول بنٍّ خصبة، ويصبح سحرها موالًا عذبًا يتردد صداه في قلب الشاعر، معلنًا تضحيته بكل غالٍ من أجل هذا الجمال: حقول البنّ في خديك موّاله جميل تركتُ المالَ والنِّعمةَ، ولكِ وحدكِ أميل ولكِ وحدكِ بدا حبّي، ولكِ وحدكِ سَما قلبي سبيلي حبّكِ الصافي، ولا غيرَه سبيل في هذه الأبيات التي تلامس شغاف القلب والروح معًا، يتخلى الشاعر عن كل شيء لأجل هذا الجمال الذي يشبه في خصوبته وعطائه حقول البنّ، ليصبح الحبّ هو السبيل الوحيد، والهيام في ديار المحبوبة طقسًا ليلياً تماماً كطقس احتساء القهوة الذي لا غنى عنه، كما يصف: فحبّي لكِ ملأ الدنيا وتشهد لي النجوم أظلّ الليلَ كالمجنون على داركِ أحوم حقا، إنها قصيدة تُبرز البنّ في سياق غزلي عاطفي، مما يضيف بعدًا آخر لرمزيّته ويؤكد قدرته على التعبير عن أرقّ المشاعر الإنسانية.
أما شاعر اليمن الكبير عبد العزيز المقالح، فيأخذنا إلى بُعد فلسفي ووجودي في قصيدته التي ذكر فيها البنّ. تتحول القهوة هنا إلى فعل كوني، حيث تزور الشمس صنعاء لا لتشرق فقط، بل لتشارك أهلها طقسهم اليومي وتشرب القهوة معهم، و تصغي لأشجار البنّ وهى تغني وتتكلم: أعرَفت حقول البن الجبلية؟ تزاورها الشمسُ في يدِها زهرةُ بُن تشرب معها القهوة تصغي لها، تغنّي، وتتكلّم في عالم المقالح الشعري، تمتلك أشجار البنّ لغة وروحاً، وتصبح رائحته مفتاحًا للخروج من وحشة الروح إلى رحابة الفرح. إنها دعوة إلى تذوّق الحياة من خلال فنجان قهوة، والاستماع إلى حكمة الأرض التي تتجسّد في شجرة البنّ، مضيفًا بعداً فكرياً ووجودياً لرمزية البنّ في الشعر اليمني، متجاوزًا الغزل المباشر إلى تأمل في الحياة والكون.
ولم تتوقف حكاية البنّ عند حدود الشعر اليمني، فقد كان ملهما قويا للأدب العالمي. رواية "راهب المخا" للكاتب ديف إيغرز تروي القصة الحقيقية للشاب اليمني الأمريكي مختار الخنشلي الذي غامر بحياته ليعيد إحياء قهوة اليمن الأسطورية ويقدّمها للعالم من جديد. إنها شهادة عصرية على أن هذا الكنز ما زال قادرا على إلهام المغامرات وصناعة الأساطير، وتؤكد على المكانة التاريخية لليمن كمهدٍ للقهوة. بدأت حكايته من مرافئ المخا ليغيّر وجه مقاهي إسطنبول، شوارع باريس، صالات فيينا، صباحات لندن ونيويورك، وليمنح الدفء لليالي فينيسيا (البندقية)، ليصبح طقسا مقدسا لدى الملايين.
ختاما، إن علاقة اليمني بالبُنّ تتجاوز حدود الزراعة والتجارة، فهي علاقة وجودية، قصة عشقٍ أزلية نسجتها الأجيال. هو رمز الكرم والضيافة، ومفتاح مجالس السمر، وشاهد أفراح الناس وأحزانهم. تجلّت هذه القداسة بوضوحٍ في الهوية الوطنية، حيث رُسمت حبات البنّ في قلب "الطير الجمهوري"، شعار الجمهورية، كأنها القلب النابض الذي يمنح الوطن حياته وروعته. البن اليمني إكسير السعادة الذي أهداه اليمني للعالم، ليقول للجميع إن هذه الأرض – رغم كل شيء – لا تزال تنجب الشعر والجمال والدرر.