حين تصبح الصحة أرقاماً

25 July 2026
dr_dinaalsaadouni@yahoo.com
دينا حسين السعدوني
تابع الكاتب عبر :

لم تعد معرفة المؤشرات الحيوية حكراً على العيادات والمستشفيات؛ فقد أصبحت الأجهزة القابلة للارتداء، من الساعات الذكية إلى الخواتم والمستشعرات الحيوية، ترافق الإنسان على مدار الساعة، وتقيس نبضه، ونومه، ونشاطه، بل وحتى بعض المؤشرات الأيضية بشكل مستمر. هذا التطور الرقمي المتسارع بشّر بعصر جديد من الطب الوقائي، يقوم على التنبؤ المبكر وتمكين الأفراد من متابعة صحتهم بصورة غير مسبوقة. إلا أن هذا المشهد المشرق بدأ يكشف عن وجه آخر أكثر تعقيداً؛ إذ قد تتحول وفرة البيانات، لدى بعض المستخدمين، من مصدر للطمأنينة إلى سبب دائم للقلق والتوتر.

ولا خلاف على أن هذه التقنيات أسهمت في تحسين متابعة الأمراض المزمنة، وساعدت في الكشف المبكر عن بعض اضطرابات القلب، وشجعت ملايين الأشخاص على تبني أنماط حياة أكثر نشاطاً. ومع ذلك، فإن نجاحها التقني لا يعفي من التساؤل عن آثارها النفسية والاجتماعية عندما تصبح البيانات الصحية محور الاهتمام اليومي، ويغدو الإنسان في حالة مراقبة مستمرة لأدق تفاصيل جسده.

لقد كان الهدف الرئيس من الابتكار في التقنيات الصحية هو نقل الرعاية من مرحلة العلاج بعد ظهور المرض إلى مرحلة التنبؤ والوقاية. واليوم أصبحت الخوارزميات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل أنماط النوم والنشاط والمؤشرات الفسيولوجية، وتقديم رؤى تساعد على متابعة الحالة الصحية بصورة مستمرة. لكن المفارقة أن هذا التدفق المتواصل للبيانات قد يتحول إلى مصدر للقلق، إذ يجد المستخدم نفسه محاطاً بإشعارات وتقييمات يومية، فلم يعد يسأل نفسه: “كيف أشعر اليوم؟”، بل أصبح يتساءل: “ماذا تقول ساعتي الذكية عن صحتي؟

وقد أدى هذا النمط من المتابعة المستمرة إلى بروز ظواهر نفسية حديثة، من أبرزها "الأورثوسومنيا"، أو هوس السعي إلى الحصول على نوم “مثالي” وفقاً لقراءات الأجهزة الذكية. فقد يستيقظ الشخص شاعراً بالنشاط والراحة، لكنه ما إن يطالع تقرير جهازه الذي يشير إلى انخفاض طفيف في جودة نومه العميق حتى يبدأ في القلق والتشكيك في حالته الصحية. وتشير دراسات منشورة إلى أن الاعتماد المفرط على بيانات تتبع النوم قد يزيد القلق المرتبط بالنوم لدى بعض الأشخاص، ويؤثر سلباً في جودة النوم نفسها، في مفارقة تعكس كيف يمكن للسعي نحو الصحة المثالية أن يأتي بنتائج عكسية.

ولا يقتصر الأمر على النوم، فبعض المستخدمين يغيّرون سلوكهم اليومي استجابةً للأرقام أكثر من استجابتهم لإحساسهم الطبيعي. فقد يشعر شخص بالحيوية والرغبة في ممارسة الرياضة، ثم يتراجع لأن جهازه أخبره بأن “درجة التعافي” منخفضة، أو لأن معدل جاهزيته البدنية أقل من المعتاد. ومع تكرار هذا السلوك، قد تتحول البيانات من وسيلة داعمة لاتخاذ القرار إلى مرجع وحيد يطغى على الإشارات الطبيعية التي يرسلها الجسم.

ومع التوسع المتسارع في استخدام الأجهزة القابلة للارتداء، يبرز تحدٍ جديد أمام الجهات الصحية والتنظيمية، يتمثل في وضع معايير واضحة لدقة المؤشرات، وآليات عرضها للمستخدم، والتمييز بين التنبيه الوقائي والمعلومة التي قد تُفسَّر خارج سياقها الطبي. فالتكنولوجيا الأكثر تطوراً ليست بالضرورة الأكثر فائدة إذا لم تُصمم بما يراعي السلوك الإنساني والأثر النفسي للمعلومات الصحية.

إن المعضلة اليوم لا تتعلق بكفاءة التكنولوجيا بقدر ما تتعلق بفلسفة استخدامها وأخلاقيات التعامل مع البيانات الصحية. فالغاية من التكنولوجيا ليست أن تستبدل إحساس الإنسان بجسده، بل أن تعزز فهمه له. وعندما تصبح المؤشرات الرقمية غاية في حد ذاتها، يفقد الابتكار أحد أهم أهدافه: تحسين جودة الحياة، لا إدارة كل تفاصيلها.

ولعل المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مجرد جمع البيانات إلى أنسنة البيانات الحيوية؛ أي تصميم تقنيات تساعد الإنسان على الفهم واتخاذ القرار، بدلاً من دفعه إلى المراقبة المستمرة والقلق الدائم. فالابتكار الصحي الحقيقي لا يُقاس بعدد المؤشرات التي نستطيع تتبعها، بل بمدى قدرتها على تحسين حياة الإنسان دون أن تنتزع منه شعوره الطبيعي بالأمان.

في النهاية، لن يكون التحدي في المستقبل هو قدرتنا على جمع المزيد من البيانات الصحية، بل قدرتنا على فهمها دون أن نفقد ثقتنا بأجسادنا. فحين تتحول الأرقام إلى غاية، يفقد الطب أحد أهم مقاصده الإنسانية. أما حين تبقى البيانات أداةً تساعد الإنسان على اتخاذ قرارات أكثر وعياً، فإن التكنولوجيا تؤدي دورها الحقيقي: شريكاً في الوقاية، لا مصدراً دائماً للقلق.