"الأوديسا" لنولان...وقلق انهيار الحضارة
منذ ما يقرب من 3000 عام على كتابتها يعاد تدوير ملحمة "الأوديسا" إلى جانب '' الإلياذة" كروايات تأسيسية داخل الحضارة المعاصرة، وهذه المرة لم يكن حضور الأسطورة اليونانية من جديد مجرد إعادة اكتشاف أو بسبب المؤثرات السينمائية العديدة المستخدمة في الفيلم الجديد، بل بسبب حالة الربط بين النص "الميتودولوجيا" وسياق استخدامه على شاكلة فيلم روائي، والواقع الحضاري المعاصر.
لاتحاول هذه المقالة إعادة وقائع "الأوديسا" من جديد، أو إيجاد نقاط التشابه والاختلاف بين الفيلم والنص الأصلي، بل تحاول الخوص في جزئية انهيار الحضارة المطروحة في النص الأصلي ويشكل واضح داخل الفيلم السينمائي.
يعود ارتباط "الأوديسا" بطرح الانهيار الحضاري من نتائج السياق الذي كتبت فيه هذه الملحمة، وهو السياق المعروف بانهيار حضارات كبرى تسمى حضارات العصر البرونزي في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط وأوروبا نحو عام 1200 قبل الميلاد (مثل الإمبراطورية الحثية، والمملكة الميسينية، ومدينة طروادة).
وقد أدى هذا الاختفاء إلى الانتقال بحسب المؤرخين إلى المجتمعات الاندماج وبداية العصر الحديدي، مما فتح المجال لاحقًا لبروز مدن ودول جديدة (كالمدن الفينيقية واليونانية).
صحيح أن الجانب الأسطوري والروائي في القصة مختلف عن سياق الكتابة المرتبطة بأحداث الانهيار هذه، غير أنه وبالعودة للفيلم الحالي لكريستوف نولان فإن إبراز لحظات ما بعد الانهيار وما بعد حرب طروادة، ظاهرة بشكل جلي، ويتضح ذلك عبر صعوبات رحلة أوليسيس للعودة لدياره والمقرونة بـ''غضب الألهة" عليه، بعدما دمر الأخير مدينة طروادة عبر حيلة الحصان الشهيرة.
وتحيل هذه الفكرة إلى أنه وبالرغم من طريقة الانتصار العظيمة عبر استخدام حصان طروادة إلى أن جمالية الانتصار لم تغطي على البشاعة المرتكبة في حق المدينة وساكنيها، مما وصفه البعض بإحالة للمجازر وحروب اليوم، وفي لحظتنا المعاصرة هذه فإن فكرة ''الانهيار الحضاري"، شائعة بين العديد من المفكرين والكتاب.
تعرضت الحضارة الحالية إن جاز تسميتها بـ' 'الحضارة الغربية'' إلى العديد من التوصيفات مبشرة بأفولها، ومن أشهر تلك الأفكار ما جاء في كتاب "تدهور الحضارة الغربي'' للمفكر الألماني أوزوالد شبينجلر الذي صدر جزؤه الأول في عام 1918 مع نهاية الحرب العالمية الأولى.
واعتمد أوزوالد شبينجلر على أفكار ومفاهيم تحاكي دورة حياة للحضارة ويمكن اختزالها بكونها نظرة بيولوجية، تقسم مراحل الحضارة عبر مجموعة من المراحل: مرحلة الربيع (البداية والشباب) في البداية، ثم مرحلة الخريف (مرحلة النضج والأوج)، ومن ثم الأفول. بطبيعة الحال تعرضت نظرية شبينجلر للعديد من الانتقادات باعتبارها نظرية لا تأخد بعين الاعتبار خصوصيات الأزمنة والحضارات المتنوعة.
ومن بين الأطروحات المعاصرة الخاصة بما يسمى "انهيار الحضارة الغربية"، أطروحة إيمانويل تود في كتابه المعنون بـ "انهيار الحضارة الغربية" والذي يقدم فيه مجموعة من المعطيات الرقمية الحالية حول ما يصفه ''انهيار الإمبراطورية الأمريكية" بصفتها متزعمة العالم.
ويقدم إيمانويل طود الذي اشتهر بمعطياته الإحصائية والرقمية بوصفه ديمغرافي، معطيات الانقلاب الديمغرافي في أمريكا خاصة فيما يخص الولايات المتحدة خلال حقبة دونالد ترامب، كما يقر تود بالدور المتراجع لأوروبا والاتحاد الأوروبي داخل العالم.
ويقارن إيمانويل تود الصدمة التي يتعرض لها العصر الحالي بالأزمة التي ضربت الاتحاد السوفياتي عند انهياره، حيث تبدوا المقاربات ''النيوليبرالية والترامبية'' كما يصفها تود بالغير الكافية، بالإضافة إلى تصاعد النفوذ الصيني والروسي، والتغيرات الديمغرافية والعائلية التي تعرفها كل من أوروبا والولايات المتحدة، لكن المقاربة الحضارية هذه تطرح بدورها العديد من الإشكاليات، من ضمنها مدى صلاحية التقسيم الحضري واعتبار مفهوم "الحضارة" الإشكالي بدوره، توصيفا صحيحا يميز اللحظة المعاصرة.
يعد مفهوم الحضارة مفهوما مثير للإشكاليات والتساؤلات، فبين ما يمكن تسميته بالنزعة الحضارية ومن أبرز أعلامها صامويل هنتنجتون المنظر لما يعرف بصراع الحضارات، إذ قسم العالم 8 أو 9 حضارات رئيسية (الغربية، الإسلامية، الصينية (الكونفوشيوسية)، الهندوسية، الأرثوذكسية، اليابانية، الأمريكية اللاتينية، والأفريقية).
ومقابل النزعة الحضارية تنتشر نزعات أخرى تعتبر أنه نتيجة للعولمة وانتفاء الحدود بالنسبة لانتشار الأفكار وعولمتها تقلصت الفوارق الحضرية، مما يمكن تسميته براديغم "حضاري جديد، فللمرة الأولى دخلت الإنسانية في علاقة جديدة مع الزمن تتيح لها النظر للماضي بمعايير علمية غير أسطورية أو دينية.
وبإمكاننا في هذه الفقرة أيضا استعراض نظرة أخرى يمكن وصفها بـ «ديكولونيالية"، ترى ضرورة إعادة الاعتبار لمختلف الحضارات عوض التميز والمركزية الذي تحظى به الحضارة اليونانية، وهو ما كتبه جزيف كين على سبيل المثال في كتابه الأخيرة المعنون بـ''خلق العالم للغرب" وذلك عبر الاهتمام الخاص الذي حظيت به الحضارة الرومانية اليونانية مقابل تهميش حضارات أخرى من قبيل حضارات الشرق الأوسط والحضارات الهندية.
تجعل هذه الأطروحات من ''اللحظة الحضارية" عرضت للتساؤل، لكن وبشكل عكسي فإن هذا التفكير والتشكيك جزء من سمات اللحظة المعاصرة المبنية على العقلانية مما يمهد لنتيجة أخرى تبين أهمية العود لـ"لأساطير المؤسسة" والروايات الخيالية داخل أي نسق بشري/ عمراني (حضاري)، حتى وإن كان هذا النسق (الحالة الأوروبية _الأمريكية) قائم على أسس مادية/عقلانية.
تفتح الرواية الأسطورية "للأوديسا" في قالبها السينمائي الجديد، سؤالا جوهريا حول الحاجة للأسطورة وللنصوص الرواية اليوم، حتى في حالة "التشكيك الحضاري" التي تطرق لها هذا المقال، وبشكل أدق حول طريقة توظيف الأسطورة والنصوص الروائية.
في حالتنا هذه جاءت "الأوديسا" في قالب سينمائي بمؤثرات بصرية حديثة، لكن في حالات أخرى توظف النصوص الروائية لتأييد الإبادات في حالات الحروب مثلا، أو لتعزيز تفوق ''عرقي'' أو ''قبلي"، أو لشرعنة الاستعمار.
مما يقودونا في الأخير لطرح مغاير حول علاقة "الأوديسا" بقلق انهيار الحضارة، وهو طريقة التفكير في هذا الانهيار وهي هنا طريقة سينمائية/ روائية، مما يعني التفكير في "الحضارة" من داخل أدوات الحضارة نفسها، أي المنتوج الفكري الإبداعي الذي يعد بزوغه تأسيسيا داخلها منذ عصر النهضة.