وللحلم بقية..
كان هذا العام عاما حافلا بالتحديات والمفارقات، لكنه كان كذلك عاما للاهتداء والاكتشاف؛ بما ساقه الله إليَّ من عون، وما أفدته من نصائح الأساتذة والمحبين الذين أرشدوني وأخذوا بيدي في دروب المعرفة، فبعد عام من التيه في عالم القراءات، وجدتني ألج عالم الأدب؛ ذلك العالم الواسع، الوعر أحيانا، والغزير بما يحمله من علوم اللغة والمعاني والبيان والبديع، وما يتصل بها من نحو وصرف، وما تزخر به من فنون المجاز والإطناب والاستطراد والتشبيه والكناية والاستعارة.
وعلى الرغم من وعورة هذا الطريق، فإنه ظل في عيني عالما بديعا آسرا. وأكثر ما يجذبني إليه تلك المساحة الرحبة من الحرية التي ينطلق فيها الأديب مبدعا، يسمو بنصه كلما علت لغته ورقَّ فنه، ويطرح من خلاله معانيه وما يختلج في دخيلته، مبرزا شيئا من روحه الفياضة، تاركا لقلمه أن يجمح حيث تقوده الفكرة والوجدان. ولعل هذا ما جعل الأدب أقرب الفنون إلى نفسي، وبخاصة فن المقال، لما وجدته فيه من قوة آسرة وقدرة على الجمع بين الفكرة واللغة والتأمل.
من هنا شرعت خلال العام، في تذوق قلم مصطفى لطفي المنفلوطي، فقرأت من «النظرات» و«العبرات» وترجماته العذبة، ووقفت أمام مرآة الشيخ عبد العزيز البشري أتأمل أسلوبه وأحاول أن أتعرف من خلاله إلى ذاتي؛ باحثا عن القالب الأدبي الذي يناسبها، وعن الطريق الذي يستطيع فيه يراعي أن ينطلق على سجيته.
ثم عبرت قنطرة مصطفى صادق الرافعي، مأخوذا بعلو بيانه وجزالة لغته، وإن كنت لم أستسغ بعض عباراته التي شعرت فيها بشيء من التعاظل والتكلف، فاكتفيت منه بما يليق بمقامه من احترام وتوقير.
ومن الرافعي عرجت على عباس محمود العقاد، فطالعت جمهرة من مقالاته، وقرأت «أنا»، فعاينت شيئا من جهده وجهاده، وتأملت تلك العصامية الفذة التي بنى بها نفسه، والقوة التي شق بها طريقه بين معاصريه. واستمتعت كذلك بما كتبه عن رجال عصره، بقلم ينبئ عن شخصية جبارة، حتى لا يكاد القارئ يستغرب ما نسب إلى الزعيم سعد زغلول، من وصفه بالعظمة والجبروت الفكري.
وبينما كنت أسير في هذا الطريق، مر بي اسم لا يقل قدرا عن تلك الأسماء، الدكتور أحمد أمين، فانطلقت معه في سيرته «حياتي»، ويا لها من حياة، عبرت بصحبته حقبة زمنية كاملة، مزدحمة بالأحداث والتحولات، ثم مضيت معه في «فيض الخاطر»، حتى أتممت مجلداته الثلاثة الأولى، متنقلا بين تأملاته وأفكاره ونظرته المتزنة إلى الإنسان والثقافة والحياة.
ثم كان لي لقاء مع صديقين من كبار أعلام العربية: عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وصاحب «الرسالة» أحمد حسن الزيات. دخلت عالم طه حسين بشيء من التوجس، ثم شمرت عن ساعد الجد وبدأت قراءة «الأيام»؛ ذلك العمل العذب الثري، مقتحما عالم صاحبه كما اقتحم هو عالمنا العربي بأفكاره وأسئلته وأطروحاته التي لم تزل مثارا للنقاش إلى اليوم.
أما الزيات، فكان له مذاق آخر. وقد استوقفتني عبارة الدكتور رجب البيومي، حين شبه أستاذه الزيات بفاكهة اليوسفي الممتلئة بالفيتامينات؛ وصف طريف، لكنه يحمل في طياته معنى الثراء والتنوع. فترنمت بكتاب «وحي الرسالة»، وهو اسم على مسمى، واستطعت بعد جهد أن أتم المجلدين الأولين منه، قارئا ومتذوقا، ومحاولا أن أتعلم من أسلوبه السيال وبيانه الرشيق.
ولم أقف عند هذا الحد، بل تعرفت إلى عَلَم آخر من أعلام الفكر والثقافة الشرقية، هو الدكتور عبد الوهاب عزام، فصحبته من خلال مؤلفاته الدفاقة، ولا سيما كتابه عن محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره. وكأن عزام أخذ بيدي لأطير معه في عالم إقبال الروحاني الرحب، متأملا سمو صفاته ونقاء روحه وآفاق فلسفته.
وما زال للحلم بقية، وللرحلة بقية أخرى مع من تبقى من أعلام الفكر والأدب الذين تركوا لنا هذا التراث العظيم. وفي هذا العالم الرحب، أسأل الله أن يستعملني في خدمته؛ قارئا ومتطلعا، متأملا ومتأدبا، متفقها ومتفلسفا ومفسرا، ساعيا إلى أن أتعلم من هذا الفن الجميل ما استطعت. فكما أن في الأدب جمالا، فإن فيه كذلك قوة ورسوخ قدم، وفيه تواضع المتعلم وهمته التي لا يطاولها عنان الجبال.