التعددية القطبية كبديل للنظام الدولي

10 July 2026
ayman.mouhcine1995@gmail.com
أيمن محسين
تابع الكاتب عبر :

لا تُختزل الحرب الروسية الأوكرانية في كونها صراعا جيوسياسيا فحسب، بل تقف وراءها أيضا مواجهة أيديولوجية عميقة تجعل من الحدود الروسية الأوكرانية خط تماس بين نموذجين حضاريين، ونمطين من التفكير، ورؤيتين متناقضتين لمستقبل البشرية وطبيعة العلاقات الدولية.

يقوم هذا الصراع، من جهة، بين الدول الغربية التي تعلن أن حقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية جزء أصيل من سياستها الخارجية، وإن كان تطبيق هذه المبادئ يخضع أحيانا لاعتبارات المصلحة. ومن جهة أخرى، تقف روسيا والصين، ومن يدور في فلكهما، لتؤكد أولوية مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وترفض توظيف مفاهيم حقوق الإنسان لتبرير التدخل الخارجي. وانطلاقا من هذا الموقف، تدعو هذه الدول إلى إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب، يحقق توازنا في القوة بين الغرب من جهة، وروسيا والصين وحلفائهما من جهة أخرى.

غير أن فكرة التعددية القطبية تقدَّم في الخطاب الروسي وكأنها الحل الأمثل للنزاعات الدولية، متجاهلة أن النظام الدولي كان بالفعل متعدد الأقطاب قبل 1945. بل إن تلك المرحلة بالذات هي التي بلغت فيها التنافسات بين القوى الكبرى ذروتها، وانتهت باندلاع الحربين العالميتين الأولى (1914–1918) والثانية (1939–1945)، ثم انتقل العالم بعد عام 1945، إلى مرحلة الثنائية القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وهي مرحلة اتسمت بدورها بصراعات النفوذ والحروب بالوكالة، فتجربة التاريخ إذن لا تدعم الافتراض القائل إن تعدد الأقطاب يعني بالضرورة استقرارا أكبر.

يركز الخطاب الروسي على الانتهاكات الأمريكية للقانون الدولي (الحرب على العراق وأفغانستان مثلا) لتبرير سرديته، لكنه في المقابل يتجاهل الاتهامات التي وجهتها السلطات في مولدوفا ورومانيا، والمدعومة بتقارير استخباراتية ورسمية، بشأن تدخل روسيا في عملياتهما الانتخابية عبر حملات تضليل وهجمات سيبرانية ووسائل تأثير أخرى، ثم ما قامت به من احتلال شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم شنها الحرب على أوكرانيا في عام 2022، فضلا عن تهديدها المتكرر باستخدام السلاح النووي. وهذه سلوكيات جميعها قوبلت بإدانات واسعة من المجتمع الدولي، ولم تحظ بأي شرعية قانونية دولية.

تشير إحصاءات "عالمنا في بيانات –الحرب والسلام" إلى أن العالم، بعد هزيمة ألمانيا النازية عام 1945، ثم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، شهد انخفاضا طويل المدى في الخسائر البشرية الناتجة عن الحروب مقارنة بما عرفه خلال القرن العشرين. 

صحيح أن السنوات الأخيرة سجلت ارتفاعا جزئيا في هذه الخسائر، ارتبط بصراعات من بينها الحرب في أوكرانيا نفسها، إلا أن هذا الارتفاع لا يلغي الاتجاه العام، بل يمثل في تقديري، مؤشرا إضافيا على كلفة تفكك النظام الدولي الذي ساد بعد الحرب الباردة، لا دليلا على جدوى بديله. كما اتجهت أعداد متزايدة من الدول، في العقود التي أعقبت 1945 و1991 على وجه الخصوص، نحو تبني الديمقراطية الليبرالية، نتيجة نجاح هذا النموذج في تحقيق مستويات مرتفعة من الاستقرار والرفاه.

عودة روسيا والصين إلى الواجهة بوصفهما قوتين دوليتين خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تزامنت مع موجة تراجع ديمقراطي عالمي، وقد أسهم دعمهما السياسي والاقتصادي لبعض الأنظمة السلطوية في الحد من فعالية الضغوط الدولية الرامية إلى تعزيز التحول الديمقراطي. ومن الأمثلة على ذلك تنظيم روسيا فعاليات ثقافية وفنية ورياضية موازية، تستضيف الدول الواقعة تحت العقوبات الدولية مثل إيران وكوريا الشمالية وكوبا، بما يعكس سعيها إلى بناء فضاء سياسي وثقافي مواز للفضاء الغربي.

لا تمثل الدعوة إلى قيام قطب دولي جديد حاجة حقيقية للنظام الدولي، فهذا القطب المرتقب يقوم على دعم أنظمة سلطوية في بيلاروسيا وكوريا الشمالية وفنزويلا ودول في آسيا الوسطى، إضافة إلى توظيف مجموعة "فاغنر" ثم لاحقا "الفيلق الأفريقي"، في دول مثل مالي وبوركينا فاسو لدعم الأنظمة العسكرية فيها، وهو بذلك ينطوي على تناقض جوهري مع النموذج الديمقراطي الليبرالي الذي يقول إنه بديل عنه، تناقض يذكّر بما سبق أن شهده القرن العشرين حين قدّمت نماذج أخرى نفسها بديلا عالميا عن الليبرالية، قبل أن تكشف التجربة التاريخية عن عدم جدواها.

انطلاقا من ذلك، فإن الخطاب الذي تروج له وسائل الإعلام الروسية بشأن التعددية القطبية، وما يصاحبه من تحركات عملية كتعزيز دور مجموعة بريكس بوصفها بديلا اقتصاديا جزئيا لمجموعة السبع بهدف تخفيف أثر العقوبات الدولية، قد يؤدي إذا ترسخ، إلى عودة نمط من المنافسة الدولية يشبه الحرب الباردة. نمط يقوم على توازنات الفيتو، والتكتلات الاقتصادية، وتغليب مبدأ عدم التدخل حتى في مواجهة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

إن العالم اليوم يحتاج إلى إصلاح أوجه القصور في الديمقراطيات الليبرالية، ولا سيما في علاقتها بالدول الأخرى، بما يجعلها أكثر عدلا واتساقا مع المبادئ التي تعلنها. فنحن لا نزعم أن هذه الديمقراطيات مثالية، لكنها تظل أفضل نموذج سياسي توصلت إليه البشرية حتى الآن، ولذلك فإن إصلاحها أجدى من استبدالها بنماذج أثبتت التجربة التاريخية فشلها.