نوبل للسلام.. هل وقعت بين يدي مجرم حرب؟
في أوائل عام 1973، حينما كان الشرق الأوسط على شفا "جرفٍ هارٍ"، يعاني من تبعات حرب الأيام الستة التي شنتها إسرائيل على محاور ثلاثة، حيث كانت الدول العربية تسعى بجدٍّ للرد واسترداد أراضيها من المغتصب الصهيوني في ذلك الوقت، كان ربان البارجة الأمريكية يترنح وتغرق سفينته في محيط من كوارث وحروب وفضائح لا قاع له. كانت الحرب الباردة في ذروتها، حروب بالوكالة وأخرى مباشرة، وصراعات إقليمية، ومحاولات لفرض النفوذ.
لم يكن الشرق الأوسط هو المنطقة الوحيدة المشتعلة في العالم، فقد كانت النار تلتهم أجزاء أخرى من الشرق والغرب في ظلال حروب تستعر بلا هوادة. وكانت خزانة البيت الأبيض السياسية بقيادة ريتشارد نيكسون، الرئيس السابع والثلاثين للولايات المتحدة، ممتلئة بالمصائب، وعلى رأسها حرب فيتنام التي تورطت في أتونها الولايات المتحدة على فرضية أنها مجرد نزهة، لتلاقي من ورائها الجحيم بذاته، حتى أتت فضيحة "ووترجيت" التي قصمت ظهر الرئيس الجمهوري وأقعدته مجازيا ثم رسميا عن مهامه.
على الرغم من ذلك، كانت السياسة الخارجية الأميركية في ذلك الوقت بين أيد ماكرة محنكة، فقد استطاع وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر قيادة الملفات المتعددة ببراعة ودهاء، مما أهله للفوز بجائزة نوبل للسلام في نفس العام، جائزة أثارت كثيرا من اللغط والاعتراضات في الشارع الأميركي وفي داخل اللجنة المانحة للجائزة حينها، حتى إن كيسنجر حاول ردها بعد ذلك بسنتين. ذلك الجدل مستمر حتى وقتنا هذا، فماذا كانت حكاية تلك الجائزة المشبوهة؟
هاينتس ألفريد كيسنجر، يهودي ألماني فرت عائلته إلى الولايات المتحدة عام 1933 هربا من الاضطهاد النازي، وهو ابن خمسة عشر عاما. ومع أولى خطوات العائلة في الولايات المتحدة، عانت من ظروف مادية صعبة اضطرت أمه للعمل كخادمة في المنازل، ثم واجه هو نفسه مشاكل التأقلم وتعلم اللغة الإنجليزية. وفي وقت قصير، تم تغيير اسمه إلى هنري، وبعد كثير من العقبات والعثرات، شق هنري طريقه عبر جامعة هارفارد وتدرج في المناصب المختلفة حتى وصل إلى مستشار الأمن القومي. بل أنه كان أول من جمع هذا المنصب الرفيع مع منصب وزير الخارجية، وفجأة، أصبح في غمضة عين القائم بأعمال رئيس الولايات المتحدة للشؤون الخارجية، بشكل غير رسمي، في أعقاب فضيحة ووترجيت.
في يناير 1973، ساهم كيسنجر بدور أساسي في إبرام اتفاقية السلام بين الولايات المتحدة وجمهورية فيتنام الجنوبية الموالية لأميركا من جهة (وقّع عنهم كيسنجر)، وفيتنام الشمالية وحكومة الثورة المؤقتة لفيتنام الجنوبية من جهة (وقّع عنهم لي ديوك ثو). نصت الاتفاقية على وقف إطلاق نار شامل في أنحاء فيتنام وانسحاب القوات الأميركية مع بقاء بعثات محدودة، وتبادل الأسرى، واعتراف الولايات المتحدة بسيادة ووحدة فيتنام، والالتزام بالحلول السلمية والتفاوض، وتشكيل مجلس وطني للمصالحة بالجنوب، وتنظيم انتخابات حرة.
اعتبرت لجنة نوبل أن هذا الاتفاق يعد إنجازاً تحمل الأعباء الكبرى منه كيسنجر ولي ديوك، فقررت منحهما جائزة السلام في ذلك العام. إلا أن استمرار الحرب، وعدم الالتزام المتبادل من كافة الأطراف بالاتفاق، شكك في مصداقية الاتفاق وإمكانية تطبيقه. فاستقال اثنان من حكام اللجنة اعتراضا على القرار، بينما اعتبره كثير من المتابعين مجرد سلام على ورق، واستنكر جانبٌ ليس بالقليل من الشارع الأميركي، ومعهم الكثير من المعارضين لسياسات كيسنجر، ذلك التشريف، حيث رأوا أنه لا يستحقه.
على الرغم من ذلك، قبل كيسنجر الجائزة، وبعث بمندوب لاستلامها، في حين رفض لي ديوك استلام جائزته لعدم قناعته أن الاتفاق قد حقق السلام الحقيقي. وربما قد يرى البعض هذه الاعتراضات مبالغا فيها، وأن للرجل بالفعل الدور الأكبر في محاولاته المستمرة لإرساء أسس السلام. إلا أن بعد ذلك بقليل، وبعد الإفصاح عن الوثائق والمكاتبات في الشهور القليلة التالية لفضيحة ووترجيت وما بعدها، ومع نزع السرية عن العديد من المستندات مع تعاقب السنين، اتضح دور آخر لمهندس عملية السلام المزعومة تلك، ليس فقط في حرب فيتنام، بل في بقع كثيرة كانت ساخنة حول العالم في ذلك الوقت.
في العام نفسه، 1973، بعد تسريبات أوراق البنتاجون التي نشرها الصحفي الأمريكي دانيال ألسبرج في صحيفة "نيويورك تايمز"، تبين أن إدارة كيسنجر ونيكسون بالبيت الأبيض قد أدارت قصفا سريا (بدون موافقة الكونغرس) لكمبوديا، البلد المجاور لفيتنام الشمالية، حيث كانت تشتبه أميركا بوجود جبهة دعم محتملة لشمال فيتنام. وفي 1979 نشر الصحافي الاستقصائي ويليام شوكروس وثائق وأدلة ميدانية تثبت أن كيسنجر كان العقل المدبر لإدخال كمبوديا في الحرب، وبعد رفع السرية عن آلاف الوثائق بالأرشيف الوطني الأميركي عام 1995، أظهرت مذكرات كيسنجر اليومية توقيعه المباشر على العمليات الجوية والقصف المستمر تحت ما سُمي "الضرب بلا قيود".
في عام 2002 نشرت صحيفة "الغارديان" تحقيقا شاملا عنونته بـ"جرائم هنري كيسنجر" استنادا إلى وثائق جديدة، وأثبت التحقيق أن الضوء الأخضر الذي منحه كيسنجر لقصف كمبوديا تسبب في مقتل بين 50,000 إلى 150,000 مدني، وفي الفترة 2001-2003 نشر الكاتب البريطاني كريستوفر هيتشنز كتاب "محاكمة هنري كيسنجر" ووجه لوزير الخارجية الأميركي صراحة الاتهام بارتكاب جرائم حرب في كمبوديا ودعا إلى محاكمته عليها.
في الفترة من 2010 إلى 2023، صدرت وثائق جديدة من وزارة الدفاع والمخابرات الأميركية تؤكد أن كيسنجر كان يوقّع بنفسه قوائم القصف اليومية مع التجاهل الدائم للتحذيرات بشأن الضحايا المحتملة من المدنيين.
ولم تتوقف الاتهامات الموجهة لكيسنجر عند حرب فيتنام وقصفه آلاف المدنيين هناك، ولا ذلك الاضطراب السياسي والعسكري الذي حدث في كمبوديا في أعقاب القصف المستمر وتسبب في مئات الآلاف من الضحايا من المدنيين، بل شمل كتاب "محاكمة هنري كيسنجر" العديد من الاتهامات التي ساق لها الكاتب العديد من الأدلة والوثائق، وملخصها في الآتي:
- التورط في جرائم الحرب في بنجلاديش أثناء حرب الانفصال عام 1971
- التواطؤ في اغتيال رئيس تشيلي سلفادور أليندي عام 1973
- تضليل الكونغرس والرأي العام العالمي بشأن كمبوديا ولاوس 1973
- دعم جرائم "سوهارتو" ونظامه في تيمور الشرقية عام 1975
- دعم المذابح في قبرص واليونان
بناءً على هذه الوثائق، وفي العام 2001، صدر أمر توقيف بحق كيسنجر في باريس للتحقيق معه في جانب من تلك الجرائم، إلا أنه لم يستجب لطلب التحقيق وغادر فرنسا على عجل، وظل بعد ذلك محميا بحصانته الدبلوماسية الأميركية إلى يوم وفاته في 29 نوفمبر عام 2023، بعد عمر طويل امتد لقرن كامل.
مرّ نصف قرن منذ قررت لجنة نوبل منح كيسنجر جائزة السلام، ولم تخرج اللجنة بمعايير منح تلك الجائزة ولا المبررات، وعلى أي أسس تم هذا التقييم ومن ثم المنح. لم تعترف لماذا استقال منها عضوان بسبب هذا القرار، وإن كان اتفاق فيتنام هو السبب في منح هذه الجائزة لذلك الرجل، لماذا لم تقبل محاولته التنازل عنها عام 1975 بعدما انهارت تلك الاتفاقية الهشة؟ بل لماذا لم تُسحبها اللجنة من الأساس طالما كانت جهود الرجل في الأول والأخير كضجيج الأواني الفارغة؟ لماذا لم تُعلّق اللجنة هذه الجائزة إلى حين التحقيق في الجرائم المنسوبة إليه بحسب آلاف الوثائق؟ أسئلة متعددة، وكالعادة لا إجابات.
بعد نصف قرن خرج الرئيس الأمريكي الحالي، الجمهوري اليميني، دونالد ترمب، يباهي بسلام على ورقٍ فرضه على أرجاء المعمورة، وكان يباهي منذ أسبوع بإنهاء 7 حروب، ومنذ أيام قليلة أعلن أنها قد وصلت إلى ثمانية. والآن بعد محاولاته الحثيثة لفرض سلام يبدو للمتابعين هشاً، بل في بعض جوانبه ظالما ومستحيلاً في فلسطين، هل ستفلت منه جائزة نوبل؟ وإن كسبها ترامب، هل سيظهر لنا اسمه ولو بعد حين ملفات قضية إبستين الجدلية؟ هل سيُزاح نقاب السرية عن مدى تدخل الولايات المتحدة بالقرار والآلة العسكرية في حرب الإبادة الجماعية المحتملة في غزة؟ هل سيُكشف النقاب عن أيّ دورٍ للرئيس الحالي وإدارته في ضرب إيران أو سوريا أو لبنان أو قطر؟ هل سيُمنح ترامب الجائزة مقابل سلام على ورقٍ في غزة، كما حدث لكيسنجر من قبل في فيتنام؟
السؤال المتعلق بالجائزة نفسها يظل كما هو: هل هناك معيارٌ محدد لاختيار صاحب الجائزة؟ أما السؤال للرئيس ترمب فهو ما المميز في تلك الجائزة بعد أن لوّثها مجرمو حرب محتملون؟ أسئلةٌ كلها عصيّةٌ على الإجابة، بل على الفهم والإدراك. ولكننا سنظل نتساءل، بحثا عن الإجابة المفقودة، فالمرءُ أسيرُ أسئلته، ولا يُعتق إلا في أرض الجواب.