الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الصحافة
لا بد من مواكبة العصر!
هذه الجملة اقتحمت حياتنا منذ أوائل القرن الحادي والعشرين مع دخول الحواسيب والإنترنت. ثم اتسع حضورها مع الاعتماد المتزايد على هذه التقنيات في الشركات والمؤسسات، إلى أن وُلد ما يُعرف اليوم بالذكاء الاصطناعي. وأصبح من الصعب تصور أي عمل بعيداً من حضور الآلة والتكنولوجيا، مهما بلغت بيروقراطيته.
ومن هنا بدأ التهديد يطال الصحافة. فقد أُجبرت على مواكبة العصر، وباتت الصحافة التقليدية تلتقط أنفاسها الأخيرة أمام صعود الذكاء الاصطناعي، ومواقع الأخبار الإلكترونية، وصحافة المواطن. وهكذا، بعد أن كان الصحافي يلهث وراء الخبر، أصبح الخبر يطارده اليوم، فيلحق به ويحرره ويتحقق من صدقيته. كما بات مطالباً بتحويله إلى فيديو أو "ريل" أو أي صيغة عصرية تحاكي اهتمامات الجمهور.
وكما هو معروف، كانت الصحافة تبحث دائماً عما هو غير مكتوب، وعما لم يُقل بعد، وما حاول البعض طمسه بين السطور. لذلك كانت الكتابة وسيلة لكشف الحقيقة كاملة، من دون تجزئة أو تزييف أو تركيب. إلى أن جاءت الآلة.
صحيح أنها لم تحمل السلاح ولم تعلن حرباً على أحد، لكنها دخلت بهدوء وجلست إلى جانب الصحافي. ثم رويداً رويداً بدأت تأخذ مكانه في أعمال اعتُقد طويلاً أن لا أحد يتقنها سواه. فقد كتبت الأخبار، واختصرت المقابلات، وترجمت اللغات، وأنتجت صوراً لم تلتقطها العدسات، حتى ظنّ البعض أن اللغة لم تعد حكراً على الإنسان.
من هنا بات يُطرح سؤال وجودي شغل المهتمين: إذا كانت الآلة تستطيع أن تكتب، فماذا بقي للصحافي؟
لكن السؤال، من بدايته، يبدو مضللاً. فالصحافة لم تكن يوماً كتابة فقط. ولو كانت كذلك، لما احتجنا إلى مراسلين يخاطرون بأرواحهم في الحروب، ولا إلى صحافيين استقصائيين يقضون أشهراً في تتبّع وثيقة أو سنوات لكشف شبكة فساد. فالكتابة ليست إلا الأثر الأخير لرحلة طويلة تبدأ بالشك، وتمر بالفضول، وتُختبر بالصبر، ولا تنتهي إلا عندما يصبح نشر الحقيقة مسؤولية أخلاقية، لا مجرد فعل تقني.
لقد عشنا وهماً طويلاً حين ظننا أن الصحافة مجرد سباق مع الوقت، أو حشواً للكلمات، أو ملاحقة لعدد المشاهدات. لكن عندما تولّت التكنولوجيا هذه المهام ببراعة، أدركنا أن كثيراً مما كنا نفعله لم يكن سوى عمل روتيني جاف، كان ينتظر فقط من يؤديه بطريقة أسرع وأكثر آلية.
لكن الجوهر الحقيقي ظل بعيداً من متناول الآلة. فهي تجمع المعلومات لكنها لا تفهم الغاية منها، وتقلّد شكل الكتابة لكنها لا تعيش التجربة. تحفظ ملايين الوقائع، لكنها لا تشعر بثقل حقيقة واحدة قد تنقذ إنساناً، أو توقظ مجتمعاً، أو تكشف زيف رواية صُنعت بإحكام.
والحقيقة أن الذكاء الاصطناعي لم يقتل الصحافة، بل خلّصها من الحشو والزوائد التي تراكمت عليها عبر السنين، وأعادها إلى مواجهة سؤالها الحقيقي والمنسي: لماذا وُجدت أصلاً؟
فالصحافي ليس موظفاً يرصّ الحروف، بل هو شاهد على زمنه. ومهمته ليست ملء الفراغ بين العناوين، بل كشف الأكاذيب حين تتنكر في هيئة حقائق. وكلما ملأت الآلات العالم بنصوصها الجاهزة، ازدادت الحاجة إلى إنسان يملك الشجاعة لرفض هذه القوالب المعلّبة.
ربما يأتي يوم تصبح فيه الأخبار كلها من إنتاج الخوارزميات، وتُقرأ وتُنشر بآليات تشبهها. لكن الحقيقة، حتى في ذلك اليوم، ستظل تبدأ من إنسان؛ إنسان يملك الجرأة على طرح السؤال الذي لم تُبرمج عليه الآلة، وأن يشك في الإجابة التي صدّقها الجميع بلا تفكير.
فالتاريخ لا يُقصي المهن، بل يُقصي النسخ المكررة والضعيفة منها. لذلك لن يكون الذكاء الاصطناعي نهاية الصحافة، تماماً كما لم تطوِ المطبعة صفحة الكتاب، ولم تقتل الكاميرا فن الرسم. ما سينتهي حقاً هو ذلك النوع من الصحافة السطحية التي ظنّت يوماً أن تجميع الأخبار وإعادة تدويرها يكفي لصناعة معنى.
أما الصحافي الأخير، فلن يكون ذاك الذي يبقى وحيداً في غرفة أخبار صامتة، بل أول من أدرك بعمق أن القيمة لم تكن يوماً في رصّ الحروف، بل في القدرة على رؤية ما تعجز الكلمات نفسها عن قوله.