الترجمة الهرمونية بين الروح والعقل

21 June 2026
hythamalsdyan@gmail.com
هيثم علي الصديان
تابع الكاتب عبر :

خُلقت اللغة ليترجم بها الكائن المعاني. وهي ليست خاصة بالبشر وحدهم في هذا الكون؛ إذ أن لكل كائن لغته التي يترجم بها معانيه ويعيش الحياة، حتى الجماد له أسلوب ترجمته التي نعرف بعضها ونجهل معظمها. فالترجمة وسيلة حياة وعيش ووجود، ولولاها لفقد الكائن وجوده الحيوي وتفاعله مع الوجود الأكبر.

الترجمة لغة تعني النقل والتفسير، وهي من رجم الرِّجام أي الحجارة التي تكوّم أو توضع فوق بعض، رمياً أو تنسيقاً واصطفافاً. وفي الإنجليزية(trans) تعني النقل والعبور والمجال، ثم تأتي لواحقها(late- fer…etc). فالترجمة هي التعبير من إلى، وما الكلمات إلا أصوات وحروف مرجومة رِجاماً، رمياً أو تنسيقاً، بعضها بجانب بعض.

وأجسادنا نحن الكائنات عبارة عن ترجمات روحية وعقلية لهرموناتنا البيولوجية، فيصير البيولوجي ذا معنى روحي أو عقلي، بحسب النوع الهرموني.

فالجوع هو ترجمة لنقص الطاقة وحاجة الجسم إليها، والشبع هو ترجمة روحية لاكتفاء الجسد من الطاقة، والشهوة هي ترجمة روحية لتموجات هرمونية، واللذة الجنسية هي كذلك ترجمة روحية لسكينة تلك الهرمونات واستقرارها الطبيعي، فالروح تضفي بعداً جمالياً على مطالبها الهرمونية، أي تكسو البيولوجي بغطاء جمالي يبعث على النشوة واللذة الروحيتين.

هذا ما يجري مع العقل حين يضفي غطاء أخلاقياً على المعاني الهرمونية البيولوجية، ويعمل لأجل خلق حالة من التوازن بين البيولوجية ومطالبها وترجماتها الروحية الجمالية ولذاتها ونشواتها من جهة، وبين المعوقات التي تقع خارج الجسد وداخله.

حين تكون للجسد طاقة هرمونية نزّاعة نحو ترجمة روحية، يحضر العقل ليصوغ ترجمة تستطيع التحايل على المعوّقات الخارجية، كالدين والأعراف وغيرها. ويلجأ إلى كل ما يمكنه تمرير هذا النزوع الهرموني البيولوجي بعد أن يغطّيه برداء عاطفي أو منطقي يحقق من خلاله الانسجام بين النزوع الهرموني والترجمة الروحية والقيود الخارجية: كالترجمة التسامحية مع المعوق الخارجي، أو الجدلية التصادمية، أو التسفيهية، أو التحليلية أو غيرها.

ثم يعود العقل إلى ترجمة قد تكون ناقضة ما قبلها للنص الهرموني نفسه، إذا اقتضت الحاجة والضرورة، ولم يجد أمامه من سبيل إلا هذه الترجمة؛ فهو قد يترجم العجز الهرموني أو انتهاء صلاحيته الحيوية إلى نص أخلاقي منضبط بضوابط المعوقات الخارجية ذاتها التي صاغ قبل ترجمة تبيح انتهاكها.

قد يترجم الضعف الجنسي بسبب التقدم في العمر، إلى حالة عقلانية أو التزام أخلاقي، والأمر نفسه حول ميولنا الموسيقية والترفيهية؛ فهي تكون في الأغلب جارفة قوية في مقتبل العمر نتيجة حيوية هرمونية فينا، ثم لا تلبث أن تخف وتيرتها وتهبط هبوطاً حادّاً، فيصير ذاك النزوع في حالة فتور ودفقات متقطّعة تبعاً لمحفّزات ومكمّلات بيئية كالمناسبات والمهيّجات العاطفية الأخرى؛ هذا الفتور والبرود العاطفي الهرموني يُترجمه العقل على أنّه نضج ورشد وعقلانية، وأحياناً يُرمى هذا الفتور في سلة المهملات العمرية، بعد أن يُلقى باللائمة على الظروف، وتُحمّل المسؤوليّة كاملة، وتكون هذه الترجمة العقلية ردّاً على الترجمة الروحية التي ترجمت الفتور والانقلاب على أنه فتور روحيّ أو خلل عاطفي مترافقاً مع شيخوخة جسدية وتعب بدنيّ في مواجهة الزمن.

وجودنا الهرموني نحن البشر، نتشارك فيه مع باقي الكائنات الحية، وهو آلي أصم صريح صادق. ثم يأتي وجودنا الروحي الذي نشارك به كل الكائنات الحية والجامدة، وهو وجود ترجمي جمالي، يأتي استجابة للنص البيولوجي الهرموني. ثم هناك الوجود العقلي، الذي ربما ننفرد به وقد يكون لكل نوع كائن عقله المختلف الذي نجهله، وهو وجود ترجمي أخلاقي أو تزييني مهمته تحقيق الانسجام والتوازن بين وجوداتنا الأخرى، وهو لا يتذرع من التناقض في سبيل تحقيق هذا التوازن. وكل هذه النصوص هي آنية ومرحلية: تبدأ من مرحلة الطاقة البيولوجية التي تكون مصدر الترجمة الروحية والعقلية لتحقيق وجودها وحماية معانيها، ثم مرحلة الضمور البيولوجي، وهنا تعاني الروح من قدرتها على الترجمة ويضعف نصها، فيتدخل العقل للمساعدة في الترجمة وإخراج النص خالياً من اللحن قدر الإمكان. ثم بعدها ومع ضعف الوجودين والنصين، يستحوذ العقل على هذين الوجودين ويعيد ترجمة النص وتزويره بحرية أكبر حتى يسد النقص فيهما، وقد ينعدم النصان وينعدم وجودهما فيختلق نصه المزور والمنحول ليحمي ما تبقى له من وجود ودور.

هكذا نحن نصوص مترجمة، وكل ترجمة لها حيزها من التزييف والكذب، حتى نصل مرحلة الترجمة العقلية الخالصة في الخيانة، وهنا يمكن أن نفهم مقولة بنيامين فرانكلن على وجهها الأصح الذي ربما كان منه ترجمة بلاغية لنصوص لم يفهمها وقتها على نحوها الصحيح: " معظم الناس يموتون عند الخامسة والعشرين، ولا يدفنون إلا عند الخامسة والسبعين".

في معظمنا يموت الوجود الأول، الذي هو أس وجودنا ومنبع ترجماتنا الروحية، فيضطر العقل إلى سد هذين الوجودين: النص والترجمة، بترجمة مزيفة تخون الأصل البيولوجي والترجمة الروحية بتقديم نص منحول على أطلال الوجودين السابقين، هكذا يظل يزيف وجودنا الحقيقي إلى أن تنتهي صلاحيته بعد أن تقرر البيولوجيا الاعتراف بموتها القديم، وتيأس الروح من إعادة بث روح الحياة فيها؛ قد يستغرق هذا الاعتراف بضع سنوات من التستر والصمت، وقد يستغرق عقوداً، ولكنه يكشف لا محالة بعد أن تفقد البيولوجيا كل مقومات الوجود، حتى السريري منها الذي طال.

نحن لسنا أكثر من أصوات بيولوجية هرمونية، تجمعها الروح رجاماً وترجمة في نص جمالي، ثم ينسقها العقل ويضفي عليها حالة من حالات التدقيق المنطقي والأخلاقي المنحولَينِ.