هل يقع الذكاء الاصطناعي ضحية نجاحه؟

13 June 2026
riadhilal84@gmail.com
د. رياض هلال
تابع الكاتب عبر :

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة تدخل الأسواق بهدوء، بل تحوّل خلال سنوات قليلة إلى مركز الثقل في الاقتصاد العالمي، شركات التكنولوجيا الكبرى تضخ مئات المليارات في مراكز البيانات والرقائق والبنية السحابية، والأسواق المالية تعيد تسعير شركات بأكملها على أساس موقعها من سباق الذكاء الاصطناعي. بالنسبة إلى كثير من المستثمرين، يبدو الأمر وكأننا أمام المحرك الاقتصادي الأكبر منذ ظهور الإنترنت.

لكن كل موجة ابتكار كبرى في التاريخ تحمل معها سؤالاً قديماً يتكرر بصيغ جديدة: هل نحن أمام ثورة اقتصادية حقيقية، أم أمام فقاعة مالية تتشكل حول فكرة صحيحة؟

الاقتصادي الأميركي هايمان مينسكي، صاحب نظرية "عدم الاستقرار المالي"، قدّم تفسيراً عميقاً لهذه الظاهرة، فالأزمات الكبرى لا تبدأ عادة من الأفكار الخاطئة، بل من الأفكار الصحيحة التي تتحول إلى حالة من النشوة الجماعية. فالنجاح الأولي يجذب رؤوس الأموال، ثم يتحول التفاؤل المشروع إلى إيمان بأن النمو لا حدود له وأن الأسعار لا يمكن إلا أن ترتفع. وهنا تبدأ الفقاعة.

وهذا هو جوهر النقاش الحالي حول الذكاء الاصطناعي، فالتكنولوجيا نفسها ليست وهماً. استخداماتها تتوسع بسرعة في الطب والبرمجة والتعليم والتصميم والأمن السيبراني والتحليل المالي، كما تشير التقديرات إلى أنها قد تضيف تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، والسؤال الحقيقي ليس هل سيغيّر الذكاء الاصطناعي العالم؟ بل هل قامت الأسواق بتسعير هذا المستقبل مسبقاً وبمبالغة؟

يكفي النظر إلى تجربة "نيفيديا" لفهم حجم التحول. فقد قفزت إيرادات الشركة بصورة غير مسبوقة نتيجة الطلب الهائل على رقائق الذكاء الاصطناعي، ووصلت قيمتها السوقية إلى مستويات تاريخية، لتصبح رمزاً للحماس الذي يسيطر على الأسواق. والأمر لا يقتصر عليها؛ فشركات مثل "مايكروسوفت" و"ألفابت"و "أمازون" و"ميتا" دخلت سباقاً استثمارياً ضخماً لبناء مراكز البيانات وتطوير النماذج الذكية، مع إنفاق رأسمالي يقدّر بمئات المليارات من الدولارات.

هذه الأرقام تعكس تحولاً حقيقياً في الاقتصاد العالمي، لكنها تثير في الوقت نفسه السؤال الذي طرحه المستثمرون في كل المراحل الفقاعية السابقة: هل العوائد المستقبلية ستكون كافية لتبرير حجم الإنفاق الحالي؟

هنا تظهر أهمية ما يسميه الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل روبرت شيلربـ" السرديات الاقتصادية"، فالأسواق لا تتحرك بالأرقام فقط، بل بالقصص التي يؤمن بها المستثمرون. وكما انتشرت في نهاية التسعينيات رواية أن الإنترنت سيغير العالم، وانتقلت هذه القناعة من حقيقة تقنية إلى موجة مضاربة ضخمة، فإن رواية "الذكاء الاصطناعي سيغير كل شيء" تحمل اليوم القدر نفسه من الجاذبية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد تكون الرواية صحيحة، لكن التقييمات قد تكون سابقة للواقع. فالسوق لا يشتري ما يحدث اليوم، بل يشتري أرباح عشر سنوات قادمة. وإذا كان تبني الذكاء الاصطناعي أبطأ من المتوقع، أو إذا أدت المنافسة إلى تراجع هوامش الربح، أو إذا بقيت كلفة تشغيل النماذج مرتفعة، فقد تواجه الأسواق تصحيحاً مؤلماً.

لهذا تبدو المقارنة الأقرب لما يحدث اليوم هي فقاعة الإنترنت في عام 2000 أكثر من أزمة الرهن العقاري عام 2008. فالإنترنت لم يكن وهماً، بل كان أعظم ثورة تكنولوجية في عصره، لكن آلاف الشركات بُنيت على توقعات غير واقعية، وانهارت تقييمات ناسداك بنحو 78% بين عامي 2000 و2002. ومع ذلك، خرج من تحت رماد الفقاعة عمالقة مثل "غوغل" و"أمازون" وأصبح الإنترنت البنية الأساسية للاقتصاد الحديث.

أما المقارنة بأزمة الرهن العقاري، فهي أقل دقة، لأن الفقاعة العقارية قامت على ديون رديئة ومنتجات مالية معقدة أخفت حجم المخاطر داخل النظام المصرفي. وحتى الآن، فإن الشركات التي تقود سباق الذكاء الاصطناعي تمتلك ميزانيات قوية وتدفقات نقدية ضخمة، ما يجعل أي انفجار محتمل أقرب إلى تصحيح في تقييمات الأسهم والاستثمارات، لا إلى أزمة مالية عالمية.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل بعض الإشارات التي تستحق الحذر. فهناك ما يمكن تسميته "دائرية الاستثمار"، حيث تستثمر شركات التكنولوجيا الكبرى مليارات الدولارات في شركات ناشئة للذكاء الاصطناعي، لتعود هذه الأموال جزئياً إلى الشركات نفسها عبر شراء خدمات الحوسبة السحابية والرقائق.

هذا لا يعني أن الإيرادات وهمية، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً: هل هناك طلب نهائي ومستدام من السوق، أم أن جزءاً من النمو الحالي تغذيه دورة استثمارية مغلقة تراهن على استمرار الزخم؟

ويضاف إلى ذلك عامل غالباً ما يتم تجاهله هو الطاقة، فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد خوارزميات، بل هو أيضاً كهرباء ومياه تبريد ومراكز بيانات عملاقة. وإذا ارتفعت كلفة الطاقة أو ظهرت قيود تنظيمية وبيئية، فقد تتغير الحسابات الاقتصادية لكثير من المشاريع.

هنا تبرز الحكمة التي عبّر عنها المستثمر وارن بافيت خلال فقاعة الإنترنت. فهو لم ينكر أن الإنترنت سيغيّر العالم، لكنه رفض أن يدفع أي سعر مقابل هذا المستقبل. فالمشكلة ليست في معرفة ما إذا كانت التكنولوجيا ستنتصر، بل في معرفة السعر المناسب لدخول هذه الثورة.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام المستثمرين اليوم. فالذكاء الاصطناعي قد يكون بالفعل أعظم ثورة تكنولوجية في القرن الحادي والعشرين، تماماً كما الكهرباء والإنترنت في مراحل سابقة، لكن التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن صحة الفكرة لا تحمي المستثمر من خطأ التقييم.

قد تكون التكنولوجيا ثورية، بينما تكون بعض الأسعار فقاعية، وقد يكون المستقبل الذي تراهن عليه الأسواق صحيحاً، لكن السوق قد يكون اشترى هذا المستقبل مبكراً وبسعر يفترض أن النجاح مضمون وسريع ولا نهاية له.

في النهاية، ليست الفقاعة في الذكاء الاصطناعي كتكنولوجيا، بل في احتمال تسعير الذكاء الاصطناعي كما لو أن الأرباح المستقبلية مؤكدة ولا حدود لها، فكل فقاعة تبدأ بحقيقة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الحقيقة إلى إيمان أعمى، ويصبح الحماس للتغيير أكبر من القدرة على قياس قيمته الاقتصادية الحقيقية.