فيلم (الست): كوكب يملأ الفراغ

17 June 2026
zahra2malkawi@gmail.com
الزهراء صلاح الدين ملكاوي
تابع الكاتب عبر :

يبدأ فيلم "الست" بمشهد استباقي في قاعة "الأولمبيا" بباريس حيث تقف أم كلثوم أمام جمهور دولي متنوع الأعمار والثقافات والجنسيات يستمع إليها بانبهار رغم حاجز اللغة، وإثر سقوطها جراء تهور أحد المعجبين تتراجع الكاميرا لترسم رحلة حياة كوكب الشرق منذ طفولتها في قرية "طماي الزهايرة"، مرتدية ملابس الصبيان ومرافقة لوالدها في حفلات الإنشاد الديني، وصولاً إلى انتقالها للقاهرة واحتكاكها بالنخب الثقافية وتحولها إلى رمز للصوت العربي الخالد.

يجمع الفيلم بين ثلاثة أجناس سينمائية: السيرة الذاتية والدراما التاريخية التي تعيد بناء القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين، والفيلم الموسيقي. ويقع التحدي الأكبر في الموازنة بين هذه الأنواع الثلاثة دون أن يطغى أحدها على الآخر.

يطرح المخرج مروان حامد سؤالاً محورياً: كيف يمكن للكاميرا أن تُؤطّر حضوراً أسطورياً دون تقديسه أو تسطيحه؟ يتجلى ذلك في التكوين والإطار اللذين يُعامل فيهما الشخصية كحضور يغير حدود الصورة من الداخل لا مجرد شيء يُصوَّر.

أما "الأسطرة" التدريجية فهي التقنية المحورية في الفيلم؛ إذ تبدأ أم كلثوم في مراحل الطفولة محاصرةً في هوامش الكادر تبدو أصغر حجماً، ثم تنتقل تدريجياً نحو مركزه حتى تملأه كلياً في المشاهد الحاسمة. ويعمل الفيلم على ثلاثة رموز بصرية متوازية: رمز الحجم والمسافة، ورمز الموضع في الكادر (الحافة مقابل المركز)، ورمز الإحاطة والفراغ.

من أبرز العلامات الدلالية: الطرحة التي تتحول من قيد اجتماعي إلى هوية تمنح صاحبتها قوة رمزية؛ والمنصة/المسرح الذي يمثل اكتمال فعل الأسطرة؛ واللقطة القريبة جداً للوجه في مشاهد الغناء التي تجعل الوجه إطاراً مسرحياً بذاته.

استخدام الطرحة كعلامة لم تُعامل كعنصر ديكور تاريخي، بل كعلامة يمكن أن تتغير معناها. في البداية، تكون الطرحة هي ما يقيد الشخصية ويحصرها في الفضاء الاجتماعي، ولكنها تتحول تدريجياً إلى هوية ثابتة تمنح صاحبتها قوة رمزية. هذا التغيير في المعنى هو من أكثر الأشياء ذكاء في الفيلم.

الفيلم يتبع أيضا بنية سردية خطية في جوهره، حيث يتبع المسيرة الزمنية للشخصية، مع كسر زمني استباقي في الافتتاح يعلمنا بمصير الشخصية قبل أن تبدأ الرحلة. هذا الاختيار يستعيد تقنية السرد التراجيدي الكلاسيكي، حيث يعلم الجمهور بالنهاية ليتفرغ للكيف لا لـ"لماذا". وظهرت الشخصية بشكل مستدير في مراحل الطفولة والشباب، حيث نرى مواطن الضعف وحالات الشك وتشعبات الرغبة، قبل أن تتجه نحو التسطيح كلما اقتربت من الأيقونية. هذا التغيير من المستديرة إلى المسطحة ليس عيباً تقنياً فحسب، بل يعكس إشكالية أعمق في علاقة الفيلم بموضوعه.

ما نجح فيه الفيلم هو في إظهار براعة صناعه في الشكل. الفيلم يُبين أنهم يمتلكون مهارات تقنية عالية، حيث يظهر التصوير السينمائي جيداً في معظم المشاهد، والتكوين والإطار يتمتعان بوعي دلالي واضح، والإخراج الفني يعيد بناء الحقبة بعناية أثرية في اللباس والمكان والإضاءة. وأداء منى زكي يستحق الإشادة فهي لم تقلد أم كلثوم، بل اقترحت شخصية موازية تحمل ثقل الاسم دون أن تسقط في فخ المحاكاة الحرفية.

في المقابل، يفتقر الفيلم إلى عمق في سيرة أم كلثوم؛ فقد غابت تجربتها السينمائية في ستة أفلام غياباً كلياً، وهي تجربة تكشف جرأة فنية وحضوراً في الفضاء العام. كما تضمّن الفيلم حريات روائية تجاوزت ما تحتمله سيرة موثقة بهذا الثقل، وقد تحوّلت الشخصية من مستديرة إنسانياً في مراحلها الأولى إلى مسطحة أيقونية كلما اقتربت من المجد، وهو ما يعكس إشكالية أعمق في علاقة الفيلم بموضوعه.

يُضاف إلى ذلك أن إيقاع المونتاج المتسارع في أجزاء واسعة منع المُشاهد من العيش في حضور أم كلثوم وهيبتها، فالكادر يُفتح ثم يُغلق قبل أن يأذن لنا بالبقاء في اللحظة. وهذا مفارق تماماً لامرأة عُرفت بأنها كانت تسكن اللحظة الموسيقية وتملؤها حتى نهايتها.

"الست" فيلم يعرف كيف يبني الصورة لكنه يخشى أحياناً أن يبقى فيها. نجح في توظيف التكوين والإطار في لحظاته الأكثر صدقاً، غير أنه حين أراد الاحتفال بالأيقونة تحولت الكادرات من الاستكشاف إلى التصوير التذكاري، ومن الفن إلى التبجيل ما كان يحتاجه أكثر هو الثقة بالفراغ؛ تلك اللحظات التي تترك فيها الكاميرا الشخصية وحدها دون تعليق أو تزيين. لأن تلك اللحظات، لو أُتيح لها أن تطول، لكانت ستُفصح عن الست التي لم تحتج يوماً من يملأ الفراغ عنها.