في اليمن الجميع خاسرون
بعد أكثر من 11 سنة على انهيار الدولة واستمرار الحرب، لايزال كثير من اليمنيين يبحثون عن الحل بالأدوات نفسها والعقلية ذاتها التي قادت إلى الأزمة أصلا، ومن البديهي أن العقلية التي ساهمت في إنتاج الأزمة لا يمكن أن تكون قادرة على حلها.
إن إنهاء الحرب واستعادة الدولة يتطلبان تجاوز الاصطفافات الحادة والفجور في الخصومة والتصورات الرومانسية والشعارات التي هيمنت على المشهد خلال السنوات الماضية، فاليمن لا يعاني فقط من حرب بين أطراف متنازعة، بل من أزمة أعمق تتعلق بتفكك السلطة، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتضارب المشاريع السياسية، وارتهان معظم القوى الفاعلة لداعمين خارجيين بدرجات متفاوتة.
يجب التسليم أولا أن الدولة لم تعد غائبة بسبب الحوثيين وحدهم، أو بسبب الانفصاليين وحدهم، أو بسبب فساد الشرعية وحده، بل لأن منظومة الدولة نفسها تعرضت لتآكل طويل الأمد انتهى بانهيار مركزها السياسي والعسكري والإداري، كنتيجة حتمية لتراكمات سياسية وإدارية واقتصادية امتدت لعقود، قبل أن تنفجر بصورة أكثر حدة بعد عام 2011، ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن الحروب الأهلية الطويلة لا تنتهي عادة بانتصار كامل لطرف على آخر، بل يمكن أن تنتهي عندما تصل الأطراف المتصارعة والقوى الإقليمية الداعمة لها إلى قناعة بأن كلفة استمرار الصراع أصبحت أعلى من كلفة التسوية، وهذا ما يجعل الحل ممكن نظرياً، لكنه مشروط بتغيرات داخلية وإقليمية.
على عكس ما يتم الترويج له من قبل الأطراف المتصارعة، فإن استعادة الدولة لن تبدأ من استعادة صنعاء عسكرياً، ولا من إعلان الانفصال أو تشكيل حكومات جديدة، أو تغيير شكل قيادة الدولة وتغيير وجوهها، بل يبدأ من إعادة إنتاج فكرة الدولة نفسها باعتبارها مرجعية فوق الجميع، وليست غنيمة لفئة أو طرف معين من اطراف الصراع، أو منطقة أو سلالة أو حزب، وأي تسوية لا تعيد بناء مؤسسات وطنية موحدة للجيش والأمن والقضاء والمالية؛ ستبقى مجرد هدنة مؤقتة بين قوى متصارعة لا يجمعها هدف أو فكرة حقيقية لاستعادة وطن اصبح في مهب الريح.
المشكلة أن الكثير من النخب واطراف الصراع المختلفة لاتزال تتحدث وتقدم نفسها بعقلية المنتصر، أو المالك الحصري للوطنية وتمثيل الوطن، وتسوق المبررات الكثيرة لذلك، بينما الواقع يقول إن الجميع خاسر، خسر الحوثي الدولة التي يدّعي حكمها، وتحول إلى سلطة أمر واقع معزولة عن العالم الذي لم ولن يعترف به منذ اكثر من عقد من الزمان، لأنه يصنفها تصنيف سيء، وخسرت الشرعية شرعيتها الشعبية وقدرتها على إدارة البلاد، لأنها انشغلت بهمومها الخاصة عن الهموم العامة للدولة، وخسر دعاة الانفصال فرصة بناء نموذج ناجح في المناطق التي يسيطرون عليها لأنهم يؤدون دور الأجير الذي لا يملك مشروع حقيقي أو هدف غير المال، وخسر المواطن اليمني دولته ووطنه الذي كان يمثل له الحياة الكريمة والأمن والاستقرار ومستقبل أبنائه.
أعتقد أن السؤال الحقيقي بعد 11 سنة من ضياع الدولة ومعاناة الشعب لم يعد؛ من سينتصر بل هل بقي ما يكفي من العقلانية لدى الأطراف اليمنية والإقليمية لإنقاذ ما تبقى من اليمن. قد يبدو المشهد قاتم جدا، لكن اليمن يمتلك عوامل بقاء مهمة؛ فهو إلى هذه اللحظة لم ينقسم قانونيا إلى دولتين، ومازالت الروابط الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية بين أبنائه (الشعب) أقوى بكثير من الخطابات السياسية والمشاريع التفتيتية الممولة، ولهذا فإن احتمال استعادة الدولة لايزال قائما، إذا توصل الجميع إلى قناعة بأن لا أحد يستطيع الحكم منفرد، ولا أحد يستطيع إلغاء الآخرين.
أخيرا، إذا توفرت الإرادة الوطنية لدى اطراف الصراع، وتراجعت رهاناتهم على الخارج، وعمل الجميع على إيقاف الحرب، وبناء تسوية سياسية واقعية تشمل كل الأطراف دون استثناء، وإعادة تأسيس مؤسسات الدولة على أسس جديدة؛ أكثر عدالة وكفاءة، وليس مجرد إعادة إنتاج الصيغ السياسية التي قادت إلى الانهيار، حينها سينجح اليمنيون في بناء دولة تستفيد من دروس الماضي، بحيث تكون أفضل من دولة ما قبل 2011 من حيث توزيع السلطة والثروة، وفعالية المؤسسات، والرقابة والمساءلة، والشراكة الوطنية.
أما إذا انتهت الحرب بتسوية هشة تُقنن موازين القوى الحالية وتُبقي السلاح خارج الدولة وتُكرس المحاصصة والولاءات الخارجية، فقد تكون الدولة القادمة أضعف من دولة ما قبل 2011، حتى لو حملت اسم جديد، ودستور جديد، ونظام جديد في بنية القيادة، وتنظيم جديد لشكل الدولة واسمها، فالدول لا تُبنى بتغيير الأسماء والعناوين والشعارات، وإنما ببناء مؤسسات قادرة على فرض القانون، وتحقيق العدالة، وصيانة المصالح العامة والخاصة.