قراءة في الأزمة المالية العراقية
لا يحتاج المرء إلى خبرة اقتصادية عميقة ليدرك حجم المفارقة العراقية؛ فالعراق دولة تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم، وتنتج ملايين البراميل يومياً، وتعتمد موازنته العامة على النفط بنسبة تقارب 90% من إيراداتها، ومع ذلك لا تزال الحكومات المتعاقبة تواجه ضغوطاً مالية متكررة، وتلجأ إلى الاقتراض أو أدوات التمويل المختلفة لتغطية التزاماتها، فيما تستمر معاناة المواطنين مع ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات البطالة وتراجع البنى التحتية.
هذه المفارقة ليست نتاج أزمة عابرة أو انخفاض مؤقت في أسعار النفط، بل هي انعكاس لاختلالات هيكلية عميقة تراكمت على مدى سنوات طويلة حتى أصبح الاقتصاد العراقي أسيراً لمنظومة معقدة من الفساد والاقتصاد الريعي والترهل الإداري وضعف القطاع الخاص.
لقد أصبح الفساد المالي والإداري أحد أبرز معوقات التنمية الاقتصادية في العراق. فخلال العقدين الماضيين تحدثت تقارير محلية ودولية عديدة عن فقدان عشرات المليارات من الدولارات نتيجة الفساد وسوء الإدارة والهدر المالي، وهي أموال كان يمكن أن تُحدث تحولاً جذرياً في قطاعات الكهرباء والصحة والتعليم والنقل والإسكان. ورغم الإيرادات النفطية الضخمة التي دخلت خزينة الدولة خلال سنوات ارتفاع أسعار النفط، فإن النتائج التنموية بقيت دون مستوى الطموح، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول كفاءة إدارة الموارد العامة وأولويات الإنفاق الحكومي.
ولعل أحد المؤشرات الدالة على عمق الأزمة يتمثل في الارتفاع الكبير للدين الداخلي، الذي ارتفع من نحو 13 تريليون دينار عام 2015 إلى ما يقارب 89 تريليون دينار في 2025، أي ما يعادل زيادة بنحو 67 مليار دولار، والمفارقة أن هذا الارتفاع تحقق خلال فترة شهدت البلاد فيها إيرادات نفطية كبيرة، ما يعكس وجود خلل واضح في إدارة الفوائض المالية وتوجيهها نحو الإنفاق الاستهلاكي بدلاً من الاستثمار المنتج.
ومن أبرز مظاهر الخلل في هيكل الإنفاق العام استمرار صرف رواتب ومخصصات وامتيازات تثير جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والشعبية. ومن بين هذه الملفات ما يُعرف برواتب رفحاء، التي ما زالت تُصرف بعد أكثر من عقدين على تغيير النظام السياسي، وسط مطالبات متكررة بإعادة تقييم آثارها المالية ومدى انسجامها مع متطلبات العدالة في توزيع الموارد العامة. ولا يتعلق الجدل هنا بالأبعاد الإنسانية أو السياسية لهذه القضية بقدر ما يتعلق بقدرة المالية العامة على تحمل التزامات متزايدة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها البلاد.
كما تبرز قضية رواتب ومخصصات أعضاء مجلس النواب وكبار المسؤولين والدرجات الخاصة بوصفها أحد الملفات التي تستدعي المراجعة. فالمواطن العراقي الذي يواجه تحديات معيشية متزايدة يجد نفسه أمام فجوة كبيرة بين متوسط دخله وما يحصل عليه بعض المسؤولين من رواتب ومخصصات وامتيازات متنوعة تشمل السكن والحماية والتنقل والسفر والعلاج. ويزداد الجدل عندما تمتد بعض الامتيازات إلى ما بعد انتهاء الخدمة من خلال أنظمة تقاعدية خاصة بكبار المسؤولين والنواب السابقين، الأمر الذي يثير تساؤلات مستمرة حول العدالة والكفاءة في إدارة المال العام.
غير أن الأزمة لا تقتصر على الامتيازات والرواتب العليا، بل تمتد إلى بنية الجهاز الحكومي بأكمله. فالعراق يضم اليوم ما يقارب أربعة ملايين موظف في القطاع العام، وهو رقم كبير مقارنة بحجم الاقتصاد وقدرته الإنتاجية. وقد أدى التوسع المستمر في التعيينات الحكومية إلى تضخم فاتورة الرواتب والنفقات التشغيلية، حتى أصبحت تستحوذ على الجزء الأكبر من الإنفاق العام. وتشير البيانات المالية إلى أن الإنفاق الجاري يهيمن على الموازنة العامة، فيما تتراجع حصة الإنفاق الاستثماري القادر على خلق مشاريع وفرص عمل وتنمية مستدامة.
وقد نشأت على مدى السنوات الماضية ظاهرة البطالة المقنعة نتيجة اعتماد الحكومات المتعاقبة على التوظيف الحكومي كحل سريع للمشكلات الاجتماعية والضغوط السياسية. فالكثير من المؤسسات تعاني تضخماً في أعداد الموظفين مقارنة بحجم العمل الفعلي، فيما توسعت ظاهرة المستشارين والمكاتب المساندة والهياكل الإدارية المتشعبة التي تستنزف الموارد المالية دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ولا يمكن فهم الأزمة المالية العراقية بمعزل عن الطبيعة الريعية للاقتصاد الوطني. فالدولة تعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، ما يجعلها رهينة لتقلبات الأسواق العالمية. ففي سنوات ارتفاع الأسعار تتوسع النفقات الجارية وتتزايد الالتزامات الحكومية، بينما تتحول سنوات الانخفاض إلى مواسم للعجز المالي والاقتراض والتقشف. والمشكلة الأساسية أن الفوائض النفطية لم تُستثمر بالقدر الكافي في بناء صندوق سيادي أو إنشاء أصول إنتاجية قادرة على توليد دخل مستدام للأجيال القادمة، بل ذهب جزء كبير منها إلى تمويل الإنفاق التشغيلي والاستهلاكي.
والأشد إيلاماً أن الحكومات المتعاقبة لم تنجح حتى الآن في بناء قطاع خاص قوي قادر على قيادة النمو الاقتصادي واستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل. فبدلاً من أن تكون الدولة منظماً وميسراً للنشاط الاقتصادي، بقيت المشغل الأكبر في البلاد. وقد أدى ذلك إلى اقتصاد يعتمد على العقود الحكومية والإنفاق العام أكثر من اعتماده على الإنتاج والاستثمار والمنافسة. كما أن البيروقراطية المعقدة وعدم استقرار التشريعات وضعف البنية التحتية والتحديات الأمنية والقانونية ما زالت تشكل عوائق أمام جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
كما كشفت أزمة سعر الصرف خلال السنوات الأخيرة جانباً آخر من هشاشة النموذج الاقتصادي القائم. فالفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية خلقت فرصاً واسعة للمضاربة والربح السريع، وأضعفت كفاءة السياسة النقدية، وأثرت في مستويات الأسعار والقوة الشرائية للمواطنين. كما أن الإجراءات المتعلقة بتنظيم التحويلات الخارجية ومكافحة تهريب العملة، رغم أهميتها في تعزيز الامتثال المالي الدولي، أسهمت بصورة غير مباشرة في زيادة الضغوط على السوق الموازية في بعض الفترات، وهو ما كشف الحاجة إلى إصلاحات اقتصادية وهيكلية أعمق تتجاوز الحلول النقدية المؤقتة.
إن الخروج من هذه الأزمة لا يبدأ بقروض جديدة تُضاف إلى رصيد الدين المتنامي، ولا بخطط تنموية تُعلن في وسائل الإعلام دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، بل يبدأ بإصلاحات حقيقية تمس جوهر المشكلة. ويأتي في مقدمة هذه الإصلاحات تعزيز الشفافية المالية، ومراجعة أبواب الإنفاق غير الضرورية، وإعادة النظر في الامتيازات والمخصصات التي لا تنسجم مع الواقع الاقتصادي، ومكافحة الفساد بصورة مؤسسية، وتطوير بيئة الأعمال بما يشجع الاستثمار والإنتاج.
كما يتطلب الأمر برنامجاً تدريجياً لإعادة هيكلة الجهاز الحكومي وتحسين كفاءته، بالتوازي مع إطلاق مشاريع استراتيجية في قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة، بما يسمح بخلق فرص عمل حقيقية خارج القطاع العام. فالدول لا تُبنى بعدد الموظفين الحكوميين، بل بقدرتها على إنتاج الثروة وتحويل مواردها إلى قيمة مضافة مستدامة.
خلاصة القول إن مشكلة العراق ليست في قلة الموارد ولا في ضعف الإمكانات، بل في طريقة إدارة هذه الموارد. فبلد يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، وثروة بشرية شابة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، لا يُفترض أن يبقى أسيراً للعجز المالي والاقتراض المتكرر. وما لم تُكسر الحلقة التي تربط الريع النفطي بالفساد والترهل الإداري وضعف القطاع الخاص، فإن الأزمات ستتكرر بأشكال مختلفة حتى وإن ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية. فالتنمية لا تصنعها الثروة وحدها، بل تصنعها المؤسسات الرشيدة، والإدارة الكفوءة، والإرادة السياسية القادرة على تحويل الموارد إلى فرص حقيقية للنمو والازدهار.