"أحلام القعيد".. سيمفونيّة الانعتاق

31 May 2026
easternsparrow@gmail.com
ريتا عودة
تابع الكاتب عبر :

في "أحلام القعيد" يرتفع المكان من كونه مجرد حيّز جغرافي ليصبح بطلًا موازيًا، بل ومرجعيّة وجوديّة. يختار نافذ الرّفاعي أريحا مسرحًا لنصِّه، وهي اختيار يفيض بالدّلالات؛ فأريحا ليست مجرّد مدينة، بل هي "بوابة الزّمن" وأقدم المدن التي قاومتِ المحو.

تبرز "الجميزة" في النّص كأيقونة مركزيّة، فهي شجرة ضاربة في القِدَم، وتوصيف الكاتب لها بأنّها "عتيقة جدًّا" يُحيلنا مباشرة إلى فلسطين التّاريخيّة.

إنّ رمزيّة "الجميزة" هنا تتجاوز الطّبيعة لتصبح "المقدس" الذي يرنو إليه البطل بعجزه. عندما يقول السّارد: "تمنيتُها أعلى وأطول"، فإنّه يعبّر عن الطّموح الفلسطينيّ الذي لا تحدّه حدود رغم الانكسارات الجسديّة (السياسيّة).

"الجميزة" التي رهنت البطل بحادثة أودت بعموده الفقري، هي ذاتها التي تمنحه الظّل وتستفزّ فيه الرّغبة في التّحرر. إنَّ عجز "القعيد" وسكون قدميه يمثِّلان حالة الانتظار الطويل أو العجز الذي فُرِض قسرا، لكنّ "الرّأس" والطموح" يظلّانِ معلقَيْن بقمّة تلك الشّجرة التي ترتفع عشرين مترًا وتأبى السّقوط.

بواسطة هذا الرّبط الذّكي، ينجح الرّفاعي في أنسنة الشّجرة وجعلها "أشلاء تجربة" وشاهدة على حكاية شعب، حيث يصبح الانكسار الجسدي للمقاوم أو المثّقف هو انعكاس لانكسار في الواقع العربي، لكن البقاء في ظلّ الجميزة/فلسطين هو الخِيار الوحيد للصّمود.

ينتقل نافذ الرفاعي من رصد العجز الفيزيائي إلى استشراف الحريّة النّفسيّة، ليؤَكّد أنّ "القعيد" ليس مَن تعطّلت قدماه، بل من انطفأ الحُلم في رُوحه. يتجلّى هذا الصّراع في الرّغبة المحمومة لتجاوز الواقع، حيث يقول السّارد: "تستهويني قمّة الجميزة وأجراس ما تدقّ طموحي، رغبتُ في طيفها وعلوِّها؛ وكأنّ قمّة الشّجرة هي الخلاص".

هذا "الخلاص" المرتبط بالقمّة يمثّل النّقيض التّام لحالة العجز التي فرضتها الحادثة، والتي وصفها الكاتب بدقّة مؤلمة حين قال: "حسبي ما رهنتني تلك الحادثة، والتي أودتْ بعمودي الفقري وشلّت ساقي وعطّلت قدمي". 

لكنّ المفارقة الرّوائيّة المدهشة تكمن في "القيامة" التي تحدُث للبطل في ختام المشهد السّردي، ففي اللحظة التي يتحرّر فيها الآخر (عواطف) من قيودها الاجتماعيّة (الانفصال)، يرتدّ هذا التّحرر طاقةً شفائيّة في جسد القعيد، هنا يبرع الرّفاعي في تصوير اللحظة التي تهزم فيها الإرادةُ الطّبيّة: "دبّت في أوصالي الحياة وشعرتُ كأنّني أقفُ على قدميّ، وأن عزيمة جديدة انطلقتْ في جسدي". 

إنّ هذا التّحوّل الدّراماتيكي يعزّز ما طرحناه سابقًا حول رمزيّة "الجميزة/الوطن"؛ فالفرح القادم من الانعتاق الشّخصي هو المحرّك الذي يجعل المستحيل ممكنًا، حتّى أنّ الطّبيب الذي كان يرى زراعة الكليّة أمرا مستحيلًا يتراجع أمام هذه الطّاقة الجديدة قائلًا: "تجاوُبُكَ الغريب اليوم، إذا ما استمر، نعم تستطيع". 

بذلك، يقدّم الرفاعي رؤية تفاؤليّة؛ فبرغم "أشلاء التّجربة" وبرغم العجز، يظلّ الأمل في "الوقوف" ممكنًا ما دامتِ الرُّوح قد أعلنت انفصالها عن اليأس والقنوط.

لا تتحرّك الشّخصيات في رواية نافذ الرّفاعي ككائنات ورقيّة، بل كرموز لحالات نفسيّة واجتماعيّة متعارضة، فـ"القعيد"، البطل المأزوم بين الانكسار والسُّمو، يُمثّل حالة "الإنسان المعلَّق"، جسده مشلول، لكنّ روحه في حالة طيران دائم نحو "الجميزة". إن عقدة ذنبِهِ تجاه جسده المكسور تنعكس في رؤيته للعالم؛ فهو يرى الأشياء من خلال "نظرة القعيد" الذي يفتقد التّوازن. الربط بين "أشلاء التّجربة" و"العجز" يعكس نرجسيّة الألم التي أصابت البطل؛ فهو يرى العالم من خلال ثقب صغير هو معاناته، هذا العُمق في تصوير الذّات هو ما يجعل البطل إنسانًا حقيقيًّا وليس مجرّد بطل روائي مسطّح.

وتمثّل عواطف في الرّواية قوّة الحياة التي تتحدّى الرّكود، هي ليست مجرّد حبيبة أو شريكة، بل هي "الفِعل" الذي كان البطل يفتقده. تظهر كحاملة للبشرى وكقوّة دفع "جاءتني بخبر حصولها على الانفصال من المحكمة الشرعيّة... دبّت في أوصالي الحياة"

هنا نلحظ أنّ الشّخصية النّسائيّة هي التي تمنح "الشّرعية" لحياة البطل، عواطف ليست "عاطفة" فقط، بل هي "إرادة" انتزعت نفسها من قيودها لتنتشل البطل من عتمة مرضه، إنّ تفاعلهما معًا يحوّل النّص من "أحلام قعيد" إلى "أحلام معافى"؛ لأنّ الشّخصيات تُكملُ بعضها في رحلة التّحرّر.

يعمل الطّبيب كشخصيّة كاشفة، هو الذي يضع الحُدود للمستحيل (الحالة الطبيّة المُتَرديّة)، وهو الذي يقرّ بـ "المُعجزة" عندما يرى إرادة البطل. وجوده كشخصيّة ثانويّة ضروري ليؤَكِّد للقارئ أنّ تغير حالة البطل ليس ضربًا منَ الخيال، بل هو استجابة بيولوجيّة ونفسيّة لإرادة قويّة.

يتحرّك نافذ الرّفاعي في "أحلام القعيد" بلغةٍ لا تكتفي بنقل الأحداث، بل ترسم لوحات شعوريّة بمداد مِن الألم والأمل. إنّ لغة الرّفاعي هنا تتَّسم بـ "التّكثيف"، حيث تختزلُ الجُملة الواحدة تجربةً وجوديةً كاملة، وهو ما يعكس خلفيته الثّقافية والأدبيّة.

يعمد الكاتب إلى الجمع بين المتناقضات؛ "عجز الجسد" في مواجهة "طموح الرّوح"، و"واقع أريحا الملموس" في مواجهة "رمزيّة الجميزة". هذا التّضاد اللغوي يخلق إيقاعًا دراميًا يشدّ القارئ. "زفر هواء ترهقني الجميزة بأشلاء التّجربة"، هنا يحوّل الرّفاعي "الزّفير" من عملية حيويّة إلى فعل ثقيل محمَّل بـ "أشلاء التّجربة"، ممّا يمنح اللغة بُعدًا تراجيديًّا يغوصُ في أعماق القارئ.

تتميّز الرّواية بأسلوب "البوح" الذي يكسر الحواجز بين الرّاوي والمتلقّي، فالمكان ليس خلفيّة صامتة، بل هو فاعل في النّص، ولغة الرّفاعي تنجح في "أنسنة المكان" (الجميزة التي ترنو، العجز الذي يرهن البطل). هذا الأسلوب يبتعد عن السّرد الخطّي التّقليدي المُمِلّ، ويقترب من "تيار الوعي" الذي ينقلنا من لحظة الانكسار إلى لحظة الإفاقة والقرار.

يمكننا القول إنّ "أحلام القعيد" هي دعوة للمصالحة مع الذّات. لقد نجح الرّفاعي في جعل "القعيد" أيقونة للصّمود، ليس بالضّرورة صمود الجسد، بل صمود الرّؤية، وكأنّ الكاتب يهمس في أُذُن القارئ: إنّ الوطن (الجميزة) سيظلّ شاهدًا على أحلامنا، حتّى وإن قعدنا عن السّير، فبإمكان الرّوح أن تحلِّق إلى القمّة.

إنّ قراءة "أحلام القعيد" لنافذ الرّفاعي لا تكتملُ إلّا بوضع النّص في سياقهِ الوُجودي الفلسطينيّ. فالرّواية ليستْ مجرّد حكاية فرديّة، بل هي "بيانٌ سرديّ" عن حالة شعبٍ وُضِع في غرفِ العنايةِ المُرَكّزَة، وفُرِض عليه عجزٌ سياسيٌّ وجغرافيٌّ قسريٌّ، تمامًا كحالِ بطل الرّواية الذي رهنته الحادثة في جسدٍ لا يستجيبُ.