تداعيات الحرب على الزراعة في لبنان

27 May 2026
muradkaramustafa@gmail.com
مراد قره مصطفى
تابع الكاتب عبر :

تسببت الحرب المستمرة في لبنان بكارثة زراعية وبيئية غير مسبوقة، حيث دمرت الاعتداءات العسكرية مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة وهددت الأمن الغذائي للبلاد بشكل مباشر، ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الزراعة اللبنانية، فإن ربع الثروة الزراعية والحرجية في البلاد تعرض للاحتراق والتدمير، ما أدى إلى خروج آلاف الهكتارات من دورة الإنتاج الفعلي وتحول المزارع الإستراتيجية إلى مناطق منكوبة.

تشير الإحصاءات الرسمية المحدثة إلى أن المساحات الزراعية المتأثرة بالقصف والعمليات العسكرية بلغت نحو 56,264 هكتاراً في مختلف المناطق اللبنانية، ويمثل هذا الرقم الضخم حوالي 22.5% من إجمالي المساحة الزراعية في لبنان البالغة نحو 250 ألف هكتار، وقد نال الجنوب اللبناني النصيب الأكبر من هذا الدمار الممنهج؛ حيث بلغت المساحات المتضررة في محافظتي الجنوب والنبطية وحدهما 18,559 هكتاراً (أي ما يعادل 6.4% من المساحة الجغرافية للجنوب)، موزعة على أكثر من 64 بلدة تعرضت لحرائق الفوسفور الأبيض، وجرف التربة، ورش المواد السامة.

طالت الأضرار العسكرية ركائز الإنتاج الزراعي الأساسية في لبنان، وجاءت أبرز أرقام الخسائر العينية كالتالي: 

  • الأشجار المثمرة: تضرر نحو 11,075 هكتاراً من بساتين الموز، والحمضيات، والزيتون المعمر.

  • حقول الزيتون: أصيب أكثر من 3,600 حقل زيتون بشكل مباشر، مما أدى إلى تدمير أشجار يفوق عمر بعضها 50 عاماً. 

  • البنية التحتية: دُمرت بالكامل شبكات الري والمضخات، إضافة إلى تدمير أكثر من 3,000 خيمة بلاستيكية (دفيئة زراعية) مخصصة لإنتاج الخضار.

  • الثروة الحيوانية: سُجّل نفوق ما يزيد عن 1.8 مليون رأس من الدواجن والماشية، مما وجه ضربة قاضية لقطاع إنتاج اللحوم والألبان.

تجاوزت الخسائر المالية الإجمالية للقطاع الزراعي حاجز الـ 1.5 مليار دولار، وتشير أرقام إلى أن الخسائر المرتبطة بالإنتاج المفقود والمواسم الضائعة بلغت وحدهما 530 مليون دولار، في حين تخطت قيمة الأضرار الهيكلية المباشرة في المنشآت والمزارع 41 مليونا.

أدى هذا الانهيار الإنتاجي إلى تراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي اللبناني من 10% قبل الحرب إلى 5% فقط حالياً، وبالتوازي مع ذلك، أُجبر 80% من المزارعين على التوقف القسري عن العمل أو النزوح من أراضيهم، مما جعل صغار المزارعين (الذين يملكون 80% من الحيازات الزراعية في الجنوب) بلا أي مصدر دخل.

لم تعد التداعيات مجرد أرقام مالية، بل تحولت إلى أزمة إنسانية تهدد سبل العيش اليومية؛ حيث يُواجه حالياً نحو 1.24 مليون شخص في لبنان حالة انعدام أمن غذائي حاد، وارتفعت نسبة المواطنين المحتاجين إلى دعم غذائي عاجل إلى 24%، وتتطلب إعادة تأهيل التربة الملوثة وإعادة زراعة البساتين المجروفة خطط استجابة دولية ومحلية مكثفة تمتد لسنوات، لإنقاذ ما تبقى من سلة لبنان الغذائية وإعادة الحياة إلى ريفه المنكوب.

إن إنقاذ القطاع الزراعي في لبنان اليوم لم يعد مجرد خطة لتعافي الاقتصاد، بل هو معركة حتمية لإعادة إحياء الأرض، وتثبيت المزارع في أرضه، وحماية ما تبقى من سيادة البلاد الغذائية بوجه الانهيار الشامل.