معركة الإنسان مع الجريمة والإرهاب والفوضى

12 October 2025
3azzam89@gmail.com
عزام الشدادي
تابع الكاتب عبر :

يشهد العالم في العقدين الأخيرين تصاعدا غير مسبوق في القضايا الأمنية، سواء على المستوى العسكري أو الغذائي أو الرقمي أو البيئي، ما يجعل الأمن بمختلف أشكاله أكثر تعقيدا من أي وقت مضى. فبينما كان يُنظر إلى الأمن في الماضي باعتباره مرتبطا بالقوة العسكرية وقدرة الدولة على حماية حدودها، أصبح اليوم مفهوما أوسع يشمل الأمن الإنساني، والغذائي، والطاقوي، والمناخي، والسيبراني. ومع تطور العولمة والتكنولوجيا توسع الأمن من مفهومه الكلاسيكي إلى نظرة شاملة تدمج بين أمن الدولة وأمن الإنسان. 

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أبرز التهديدات العالمية اليوم تشمل: الجريمة المنظمة، الإرهاب، التغير المناخي، الحروب، الأمن الغذائي، حقوق الإنسان، الصحة العامة، والاقتصاد العالمي. ويعتبر الأمن الغذائي أحد أعمدة الاستقرار العالمي، إلا أنه يواجه اليوم ضغوطا غير مسبوقة. تشير بيانات الأمم المتحدة لعام 2024 إلى أن أكثر من 735 مليون شخص يعانون من الجوع، وأن الحروب وسلاسل الإمداد المعرقلة وارتفاع تكاليف النقل والطاقة زادت من هشاشة الدول الفقيرة. 

وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة (FAO) أن التغير المناخي وندرة المياه والجفاف في مناطق مثل القرن الإفريقي والشرق الأوسط، ساهمت في خفض الإنتاج الزراعي. ويقوم الأمن الغذائي على أربعة عناصر رئيسية: التوافر، الوصول، الاستخدام، والاستقرار. ولتحقيقها، تحتاج الدول إلى استراتيجيات زراعية مستدامة، تعتمد على التقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي، وإدارة الموارد المائية بشكل متكامل. 

يشكل الغذاء والطاقة والمياه ما يُعرف اليوم بـ “ثالوث الأمن”، إذ يعتمد كل منها على الآخر. وقد برز الأمن المائي في السنوات الأخيرة كأحد أخطر التحديات الاستراتيجية في العالم، خصوصا في ظل التغير المناخي وازدياد الطلب على الموارد الطبيعية. وتعد أزمة سدّ النهضة بين مصر وإثيوبيا نموذجا واضحا على تحوّل المياه إلى قضية أمن قومي تهدد الاستقرار الإقليمي. إذ تعتبر مصر نهر النيل شريان حياتها الرئيسي، ويعتمد أكثر من 100 مليون مصري على مياهه في الزراعة والشرب والصناعة، في حين ترى إثيوبيا أن السد مشروع سيادي وتنموي لتوليد الطاقة وتطوير اقتصادها. لكن المعضلة تكمن في غياب اتفاق ملزم لإدارة وتشغيل السد، وهو ما تعتبره القاهرة تهديدا مباشرا لأمنها المائي والغذائي، فأي تغيير مفاجئ في تدفق المياه قد يؤدي إلى نقص في المحاصيل الزراعية وارتفاع في أسعار الغذاء والطاقة، مما ينعكس على الاستقرار الداخلي.

على المستوى الإقليمي، فإن استمرار الخلاف دون حل دبلوماسي قد يُشعل نزاعًا مائيا في حوض النيل، ويجرّ دول إفريقيا الشرقية إلى مواجهة جديدة، في وقت تحتاج فيه القارة إلى التكامل لا الانقسام. ويصف محللون الأزمة بأنها “نموذج للحروب المقبلة”، إذ لم تعد المعارك تُدار فقط بالسلاح، بل أيضا بالتحكم في الموارد الحيوية مثل الماء والغذاء والطاقة. كما تحذر دراسات استراتيجية من أن الأمن المائي في إفريقيا أصبح نقطة ضعف حقيقية يمكن أن تستغلها القوى الكبرى للتأثير في مواقف الدول وسياساتها. 

وتُعد الجريمة العابرة للحدود أحد أخطر التهديدات العالمية، حيث تقدر الأمم المتحدة أن حجم الاقتصاد الإجرامي يتجاوز 2 تريليون دولار سنويا. بعد الحرب الباردة ظهرت شبكات إجرامية معقدة استغلت الثغرات في النظام المالي العالمي، خاصة بعد انتشار العملات الرقمية. فمن تهريب المخدرات من أميركا اللاتينية، إلى الاتجار بالبشر في إفريقيا وآسيا، مرورا بجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، أصبحت الجريمة المنظمة أكثر مرونة وتكاملا بفضل الإنترنت. 

ومن أخطر ما ظهر حديثا هو الجرائم السيبرانية، التي تستهدف البنوك والبنى التحتية وحتى المستشفيات. وتشير تقارير “Interpol 2025” إلى أن خسائر الاقتصاد العالمي من الهجمات السيبرانية تجاوزت 10 تريليونات دولار سنويا، وهي قفزة كبيرة جعلت الأمن الرقمي ركيزة أساسية في مفهوم الأمن العالمي. 

رغم مرور أكثر من سبعين عاما على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما زالت الانتهاكات تتواصل وإنْ تغيّرت أساليبها. فقد انتقلت أدوات القمع من الأساليب التقليدية إلى وسائل أكثر حداثة، أبرزها التضليل الإعلامي، الذي تستخدمه بعض الدول وفي مقدمتها إسرائيل عبر فبركات إعلامية وحملات ترويجية تفتقر إلى الدقة والمصداقية. كما ساهمت الحروب في غزة وأوكرانيا والسودان في تفاقم الأوضاع الإنسانية، وارتفاع أعداد اللاجئين والنازحين إلى أكثر من 120 مليون شخص حول العالم بحلول عام 2025، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية المعاصرة. تتباين ردود الفعل الدولية تجاه هذه الانتهاكات، إذ تخضع قضايا حقوق الإنسان في كثير من الأحيان لحسابات سياسية ومصالح اقتصادية، الأمر الذي أضعف ثقة الشعوب بالمؤسسات الدولية، وحوّل القيم الإنسانية إلى أداة انتقائية تُستخدم وفق المصلحة لا المبدأ. 

وتراجعت العمليات الإرهابية الكبرى مقارنة بعقد مضى، إلا أن الإرهاب لم يختفِ بل تغير شكله وأدواته. فالتنظيمات لم تعد تسيطر على أراض كما في السابق، لكنها انتقلت إلى الفضاء الرقمي، معتمدة على الذكاء الاصطناعي والتشفير لجمع الأموال والتجنيد ونشر الأيديولوجيا، وتشير التقارير إلى نشاط هذه الخلايا في إفريقيا وسوريا وأفغانستان بدوافع أيديولوجية وعرقية. ويربط الخبراء بين الإرهاب والجريمة المنظمة، إذ يعتمد التمويل على التهريب، وتجارة الذهب والمخدرات، والابتزاز الإلكتروني، ولذلك أصبح التنسيق الأمني الرقمي والاستخباراتي بين الدول عنصرا حاسما في مواجهة هذه التهديدات. 

ولا يزال الأمن العسكري يحتل مركز الصدارة في التهديدات الدولية، فسباق التسلح عاد إلى الواجهة مجددا بعد الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي وتايوان. كما أدت عودة الرئيس دونالد ترامب إلى المشهد السياسي الأميركي عام 2025 إلى إعادة خلط أوراق التحالفات، خصوصا مع تصاعد الحديث عن توازن جديد للقوة بين واشنطن وموسكو وبكين. 

في هذا السياق، شكّلت الحرب القصيرة حرب "الـ12 يوما" بين إيران وإسرائيل عام 2025 نقطة تحول في معادلة الردع الإقليمي. فقد كشفت تلك المواجهة عن هشاشة منظومة الأمن في الشرق الأوسط، بعدما امتدت نيران الصراع إلى الممرات المائية والفضاء السيبراني، وأظهرت محدودية قدرة القوى الكبرى على ضبط الإيقاع العسكري. كما أفرزت الحرب مفاجآت غير مسبوقة، مثل ضعف وهشاشة الوضع الميداني بين إيران ووكلائها الإقليميين، والاعتماد الإسرائيلي الكبير على الدعم الأمريكي اللوجستي والاستخباراتي، وهو ما أعاد طرح سؤال جوهري حول استقلال القرار الأمني في المنطقة. 

وبعد أسابيع فقط، جاء الهجوم على الدوحة ليؤكد أن أمن الخليج لم يعد محصناً من تداعيات الصراعات المحيطة. فالهجوم الذي استُخدمت فيه طائرات أميركية الصنع ووقع في ظل وجود قاعدة عسكرية أميركية رئيسية في قطر، فتح نقاشا واسعا حول مدى التزام واشنطن بحماية حلفائها، وأعاد إلى الأذهان فكرة “ازدواجية الموقف الأميركي” تجاه أزمات الشرق الأوسط. 

هذا الحدث مثّل تحولا في الوعي الأمني الخليجي، ودفع نحو تعزيز الشراكات الدفاعية الإقليمية مثل الاتفاقية السعودية الباكستانية، كإطار جديد لتحقيق توازن ردعي يعتمد على التعاون بين الدول الإسلامية بدلا من الاتفاقيات التقليدية المترهلة، والتي تحتاج إلى تحديث. 

أما التهديد الأكبر اليوم فيكمن في الذكاء الاصطناعي العسكري والطائرات المسيّرة المستقلة التي بدأت تغير قواعد الاشتباك التقليدية، حيث حذرت الأمم المتحدة مؤخرا من خطر “الروبوتات القاتلة” وسباق التسلح التكنولوجي غير المنضبط، الذي قد يقود العالم إلى مرحلة “حروب بلا جنود”. 

بعد هذا السرد المختصر للوضع الأمني العالمي وتهديداته المستمرة، يتضح من مجمل التهديدات أن مفهوم الأمن لم يعد مرتبطا فقط بالحرب أو السلاح، بل أصبح نظاما معقدا يشمل الإنسان والبيئة والاقتصاد والتكنولوجيا. العالم اليوم يعيش حالة “فوضى أمنية ناعمة”؛ فالقوانين موجودة لكن الإرادة السياسية لحلها غائبة، وسيظل الأمن العالمي هشا ما لم تُبنَ العلاقات الدولية على الثقة المتبادلة، والعدالة في توزيع الموارد الطبيعية، والتعاون الحقيقي في مواجهة التحديات العابرة للحدود.