«فخ ثوسيديدس» وصراع العروش

21 May 2026
sameh.mabrouk.ali@gmail.com
سامح مبروك
تابع الكاتب عبر :

"صعود قوة أثينا والخوف الذي زرعه هذا الصعود في إسبرطة، هو ما جعل الحرب حتمية"، هي مقولة لم يخلدها التاريخ فقط لأنها شهادة حرب، ولا لكونها شهادة عصر، ولا لأن من أدلى بها محارب مخضرم وسياسي.

لم تكن تلك هي الأسباب الوحيدة وراء خلود تلك المقولة، بل لأنها أسست منهجا سياسيا وفلسفيا عابرا للعصور والأمم والحضارات، منهجا لا تكاد حلقات الزمن تنفك ثم تنعقد إلا من خلاله، ولا تحتكم إلا لحكمه، مقولة ربما لم يدرك «ثوسيديدس» حين كتبها مدى أهميتها، وكيف ستصبح يوما ما ميثاقا يحرك نمو الأمم وانحدارها.

وثوسيديدس مؤرخ وقائد عسكري "أثيني" عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، يُعتبر أحد أهم مؤسسي الكتابة التاريخية السياسية في العالم، شارك بنفسه في الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة، ولم يكتب عنها بوصفها أسطورة أو ملحمة بطولية، بل باعتبارها صراعا بشريا تحكمه القوة والخوف والمصلحة.

بعد فشله كقائد عسكري في حماية مدينة أمفيبوليس، نُفي ثوسيديدس من أثينا، وذلك المنفى أتاح له مراقبة الحرب من مسافة أكثر برودة وموضوعية، ومن رحم ذلك المنفى، وعلى أرض تحرقها الحرب، ولد كتابه الشهير «تاريخ الحرب البيلوبونيسية»، الكتاب الذي قدّم واحدا من أوائل التحليلات الواقعية لطبيعة السياسة والحروب وتحولات القوة.

من خلال تفسيره في هذا الكتاب لقصة صعود أثينا في ظل خوف إسبرطة، خرجت لاحقا الفكرة التي عُرفت حديثا باسم «فخ ثوسيديدس»، ولا تزال كتاباته حتى اليوم تُدرّس في السياسة والتاريخ والعلاقات الدولية باعتبارها من أكثر النصوص عمقا في فهم سلوك الدول والإمبراطوريات.

تبدأ الحكاية مع بدايات القرن الخامس قبل الميلاد، أما المكان فكان اليونان التي كانت إسبرطة فيها القوة العظمى وصاحبة اليد الطولى، ويمكن تحديد العام 490 قبل الميلاد كنقطة انطلاق لهذه الحقبة، حينما كان الفرس القادمون من شرق العالم يحاولون توسيع ممالكهم ناحية اليونان، إلا أن محاولاتهم تلك تحطمت في معركة ماراثون على يد الأثينيين.

حتى تلك اللحظة كانت أثينا قوة صاعدة تتحسس خطواتها الأولى وسط ممالك وإمبراطوريات العالم القديم، وهذا لم يعجب الفرس بالتأكيد، فعاودوا الكرة من جديد بعد قرابة عقد من الزمان فيما يمكن تسميته بالغزو الفارسي الأكبر. 

اجتاحت قوات الفرس عدة مدن يونانية، وأحرقت أثينا نفسها، إلى أن واجه الأسطول البحري الفارسي أسطول أثينا في معركة سلاميس، حيث أعمل الأثينيون التدمير في سفن الغازي الفارسي، وسطروا بأحرف من نور نصرا ملحميا فريدا، وضع الأسطول البحري الأثيني كواحد من أكبر الأساطيل البحرية في العالم.

بعدها بعام واحد، في 479 قبل الميلاد، كُتب للأثينيين النصر الكامل على الفرس في معركة بلاتيا، لتصبح بذلك أثينا قوة عسكرية وسياسية وتجارية كبرى في اليونان والعالم، وتهافتت المدن من حولها لعقد التحالفات؛ منها ما كان للتعاون الحربي كحلف ديلوس، ومنها ما كان للتعاون التجاري، كلٌ حسب غرضه ومصلحته.

على الطرف الآخر من اليونان، كانت إسبرطة تراقب بحذر، بل بخوف، بزوغ شمس أثينا، فلم تكن تخشى فقط الصعود العسكري اللافت لتلك المدينة، إنما كانت تترقب أيضا أطماع أثينا التوسعية، في عامي 465 و464 قبل الميلاد، هز زلزال سياسي كبير إسبرطة حينما قامت ثورة العبيد فيما عُرف آنذاك بثورة الهيلوت، مما اضطر حكام إسبرطة لطلب المدد والعون من أثينا للسيطرة على البلاد. 

بالفعل أرسلت أثينا جنودها، إلا أن الإسبرطيين لم يستقبلوا جنود أثينا بالورود، بل قابلوهم بالشك والريبة، بل والخوف على مكانتهم السياسية، مما دفعهم في النهاية إلى طرد جنود أثينا بشكل مهين من إسبرطة، وهنا تحول الشك والخوف إلى عداوة مكتملة الأركان.

منذ ذلك الحين، سعت أثينا نحو تحالفات أعمق وأكثر عداء لإسبرطة، فعقدت الاتفاقيات مع ألد أعدائها، ووسعت نفوذها نحو وسط اليونان، لتبدأ الاشتباكات عام 460 قبل الميلاد بين قوات أثينا والرابطة البيلوبونيسية البرية بقيادة إسبرطة، فيما سُمي بالحرب البيلوبونيسية الأولى.

كانت الحرب أشبه بحرب باردة، لا يستطيع فيها أي من الطرفين الإقدام على المواجهة الكاملة أو تحقيق الحسم الناجز، وانتهت الحرب عام 445 ق.م، باتفاقية السلام الثلاثينية بين أثينا وإسبرطة، التي تقضي بهدنة تمتد لثلاثين عاما.

تلك الهدنة كانت هشة للغاية، ولم تتحمل التداعيات السياسية المتلاحقة بين المدينتين، فاندلعت شرارة الحرب من جديد عام 431 ق.م. وبعدها بسنة ضرب الطاعون أثينا، وراح ضحيته عشرات الآلاف من أهل المدينة، حتى إن الزعيم الأثيني الشهير بريكليس راح ضحية الوباء، وكذلك صاحب الفخ، ثوسيديدس، الذي أُصيب بالوباء لكنه نجا من الموت.

على الرغم من الوباء والموت والفوضى والذعر استمرت الحرب، بل إن ثوسيديدس نفسه كان أحد ضحاياها، حينما كُلّف كقائد عسكري بحماية مدينة أمفيبوليس من الهجوم الإسبرطي في عام 424 ق.م، وتأخرت استجابته، مما أدى إلى سقوط المدينة، فأُحيل للمحاكمة، وقُضي بنفيه من أثينا، وفي منفاه شاهد ورصد وحلل الحرب ليخرج بإرثه الخالد الذي نناقشه اليوم.

بالعودة إلى الحرب، فإنها كانت على وشك النهاية مرة جديدة مع «سلام نيسياس» في 421 ق.م، إلا أنه كان أكثر هشاشة من سابقه، وسرعان ما تداعى أمام التوتر المتصاعد، قبل أن تحدث الكارثة الكبرى.

في العام 415 ق.م، أقدمت أثينا على مغامرة محفوفة بالمخاطر، وتحت تأثير الزهو الكبير بأسطولها البحري الضخم، قررت غزو جزيرة صقلية، فتحولت تلك المغامرة إلى مقبرة لتلك الحضارة الناشئة، حوصر الأسطول الأثيني ودُمر بشكل شبه كامل، وقُتل الآلاف من الجنود الأثينيين، مما مهد لخسارة الأسطول بالكامل في معركة إيجوسبوتامي عام 405 ق.م، ومن ثم السقوط التام لأثينا في قبضة إسبرطة عام 404 ق.م.

ربما تظن أن الحكاية انتهت عند ذلك الحد، بسقوط أثينا وانتصار إسبرطة، إلا أن الواقع كان على خلاف ذلك. فقد استهلكت الحرب الطويلة المنتصر نفسه، عسكريا وسياسيا واقتصاديا، مما عجل بانحداره وزواله سريعا، وأتاح المجال في اليونان لنشوء قوة جديدة تماما هي مقدونيا، التي قادها فيما بعد الإسكندر الأكبر.

هنا تتجلى فلسفة مقولة ثوسيديدس الخالدة التي عكف العديد من المؤرخين والكتاب والسياسيين على استحضارها كلما لاح في الأفق صراع جديد بين قوتين؛ واحدة عظمى وأخرى ناشئة أو تتوسع، كما حدث قبل الحرب العالمية الأولى بين إنجلترا وألمانيا، وأيضا قبل الحرب العالمية الثانية بين الولايات المتحدة واليابان، كما طُرحت من جديد في زمن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

ويُعتبر أول من أعاد طرح «فخ ثوسيديدس» بمنظوره وفلسفته الفريدة لصراعات القوى، على صعود الصين الكبير واحتمالية الصدام مع الولايات المتحدة، هو المفكر الأمريكي غراهام أليسون، حينما طرحها في إحدى مقالاته عام 2012، وربما وافقه في الفكرة، وربما حتى في التوقيت، ولكن ليس بالشكل الأكاديمي ذاته، هنري كيسنجر، حينما طرح الفكرة نفسها في العديد من المقابلات والأحاديث الصحفية.

اليوم، بعد قرابة خمسة وعشرين قرنا من طرح ثوسيديدس الأول، يجلس الرئيس الصيني بنفسه مع نظيره الأمريكي، إبان زيارته لبكين، ليتحدث عن خطورة المغامرة بالانجرار إلى هذا الفخ، وبكلماته تلك يطرح العديد من الأسئلة الصعبة، هل كان يقصد التحذير فقط من مغبة الصدام والمواجهة؟ أم كان يقصد أنه لن يقبل لبلاده مصير أثينا؟ أو كان يحذر الولايات المتحدة من مصير إسبرطة؟ أسئلة ربما لن نعرف إجاباتها في الوقت الراهن، لكن الغوص في معانيها يفتح الباب على مصراعيه أمام حلقة جديدة من حلقات صراع العروش في العالم.